دهب حكايات اسما السيد ×5
الفصل التاسع
العائد من الموت
تحركت سيارات الشرطة بسرعة.
وأنا وأمي كنا في العربية مع الرائد حسام.
ولا واحدة فينا نطقت بكلمة.
كل واحدة كانت غارقة في خوفها.
بعد حوالي نصف ساعة…
وصلنا قدام مصنع الغزل القديم.
المكان كان مهجور.
شبابيك مكسورة.
وأبواب حديد صداها ماليها.
الرائد رفع إيده.
وقال:
— محدش يدخل قبل ما المكان يتفتش.
انتشر أفراد الشرطة.
وبدأوا يفتشوا كل ركن.
وفجأة…
سمعنا صوت خبط.
زي حد بيحاول يفتح باب من جوه.
جري العساكر ناحية الصوت.
ولقوا باب حديد كبير مقفول بسلسلة.
كسروها.
ودخلوا.
بعد ثواني…
سمعنا صوت ضابط بيصرخ:
— يا فندم… تعالى بسرعة!
جرينا كلنا.
دخلنا المخزن.
كان فاضي.
إلا من كرسي في النص.
وعليه حبل مقطوع.
الرائد قرب.
ولمس الحبل.
وقال:
— لسه متفك من دقائق.
يعني دهب كانت هنا.
على الأرض…
كان فيه آثار سحب.
كأن حد كان بيجري شخص مربوط.
وفجأة…
واحد من العساكر نادى:
— فيه حد فوق!
رفعنا رأسنا.
لقينا راجل واقف على السلم الحديد.
لابس هدوم قديمة.
وشعره أبيض.
أول ما شاف الشرطة…
رفع إيده.
وقال:
— متضربوش نار…
أنا جاي بنفسي.
نزل ببطء.
ولما قرب…
أمي شهقت.
وقالت:
— مستحيل…
أنا بصيت فيه.
وحاولت أفتكر.
وفجأة…
افتكرت الصورة القديمة.
الصورة اللي كانت في أوضة دهب.
قلت وأنا برتعش:
— ده…
عم هاجر.
الراجل هز رأسه.
وقال:
— اسمي عبدالسلام.
وأنا مش هارب.
أنا مستنيكم من سبع سنين.
الرائد سأله:
— فين دهب؟
قال:
— اتأخرتوا.
خدوها من هنا من ربع ساعة.
الرائد شده من هدومه.
وقال:
— مين؟
عبدالسلام بص حواليه.
وبعدين قال:
— الراجل اللي ناقص صباعه.
قلت بسرعة:
— تعرفه؟
قال:
— أعرفه من عشرين سنة.
لكن اسمه الحقيقي…
مش الدكتور سامح.
كلنا سكتنا.
عبدالسلام كمل:
— اسمه الحقيقي…
كمال عزت.
وكان شغال زمان مع عصابة بتزوّر الهويات والسجلات.
ولما العصابة اتفكت…
اختفى.
وظهر بعد سنين…
باسم دكتور سامح.
الرائد قال:
— وإنت ساكت كل السنين دي ليه؟
عبدالسلام نزل رأسه.
وقال:
— لأن بنتي هاجر كانت عنده.
قلت:
— يعني هاجر كانت عايشة؟
بدأ يبكي.
وقال:
— أيوه…
عاشت بعد الحريق.
لكن اتحبست مع دهب.
وأنا كنت فاكر إنها ماتت.
لحد ما وصلتني منها رسالة من أربع سنين.
أمي شهقت.
وقالت:
— رسالة؟
طلع من جيبه ورقة قديمة.
كانت مهترئة.
ومصفرة من الزمن.
وقال:
— كانت مكتوب فيها…
“يا بابا… لو الرسالة وصلت لك… اعرف إننا لسه عايشين. متبلغش حد. لأن اللي ماسكنا… عنده ناس في كل مكان.”
الرائد أخذ الرسالة.
وبدأ يقرأها.
وفجأة…
وقف عند سطر.
وبص لعبدالسلام.
وقال:
— ليه مخبيتش الورقة دي مع الأدلة؟
عبدالسلام قال:
— لأن كان فيها اسم.
قلت:
— اسم مين؟
قال بصوت مكسور:
— اسم ضابط شرطة.
ساد الصمت.
الرائد حسام اتجمد مكانه.
وقال:
— مين الضابط؟
عبدالسلام رفع الورقة.
وأشار إلى الاسم.
لكن قبل ما ينطقه…
دوّى صوت طلقة نار.
الورقة طارت من إيده.
ووقع عبدالسلام على الأرض.
والرصاصة…
كانت جاية من فوق سطح المصنع.
رفعنا رأسنا.
وشفنا شخص لابس أسود.
واقف فوق السطح.
وفي إيده بندقية مزودة بكاتم صوت.
ولما لف علشان يهرب…
لمعت الساعة في معصمه.
نفس الساعة.
اللي ظهرت في كاميرات المستشفى.
الرائد صرخ:
— امسكوه!
لكن قبل ما يجري أي حد…
الشخص وقف لحظة.
وبص ناحيتنا.
وشال الكمامة عن وشه.
وأول ما شفت ملامحه…
عرفته.
كان فعلًا الدكتور سامح…
لكن اللي صدمني أكتر…
إن الرائد حسام همس باسمه وقال:
— مستحيل…
إنت كنت شريكي في أول قض..ية اشتغلتها من خمسة عشر سنة!
الفصل العاشر
الوجه الآخر للحقيقة
وقف الزمن للحظة.
أنا بصيت للرائد حسام.
وقلت بصدمة:
— إنت تعرفه؟
الرائد فضل باصص ناحية سطح المصنع.
لكن الدكتور سامح…
ابتسم.
ابتسامة هادية.
ورفع إيده بتحية ساخرة.
وبعدين اختفى بين المباني.
العساكر جريوا وراه.
لكن بعد دقائق…
رجعوا.
واحد منهم قال وهو بينهج:
— اختفى يا فندم.
الرائد فضل ساكت.
كأنه رجع بالذاكرة سنين.
قربت منه.
وقلت:
— مين هو؟
تنهد.
وقال:
— من خمستاشر سنة…
لما كنت لسه ملازم.
اشتغلت مع فريق في قض..ية اختفاء أطفال.
وكان فيه طبيب شرعي بيساعدنا.
اسمه…
الدكتور سامح.
كان ذكي جدًا.
وكلنا كنا واثقين فيه.
أمي سألت:
— وبعد كده؟
قال:
— فجأة اختفى.
وساب شغله.
واتقال إنه سافر بره مصر.
لكن دلوقتي…
واضح إنه ما سافرش.
كان بيغير اسمه…
وبيغير حياته.
قلت:
— يعني طول الوقت كان قدامنا؟
هز رأسه.
وقال:
— أيوه…
وأذكى حاجة عملها…
إنه خلا الناس تثق فيه.
عبدالسلام كان لسه بينزف.
الإسعاف وصلت.
وقبل ما يشيلوه…
مسك إيد الرائد.
وقال بصعوبة:
— أوعى…
تثق…
في…
أي…
حد.
وسكت.
الأطباء حاولوا ينقذوه.
لكن بعد دقائق…
غطوا وشه بالملاية.
أمي بدأت تبكي.
وقالت:
— كل واحد يعرف الحقيقة…
بيموت.
الرائد مسك الورقة اللي كانت مع عبدالسلام.
لكن الرصاصة كانت قطعتها نصين.
الجزء اللي فيه الاسم…
اختفى.
قلت:
— يعني ضاع؟
قال:
— لا.
القاتل خد الجزء المهم.
إحنا لسه معانا النص التاني.
بدأ يقرأ.
كان مكتوب:
“لو حصل لي حاجة… افتحوا الدولاب الحديد الموجود في…”
والباقي مقطوع.
رجعنا القسم.
وفريق الأدلة الجنائية بدأ يفحص كل حاجة.
وأنا قعدت أبص في صور دهب القديمة.
وفجأة…
وقفت عند صورة.
كانت متصورة في عيد ميلادها قبل اختفائها بشهر.
وراءها…
دولاب حديد قديم.
نفس اللون.
ونفس المقبض.
قلت للرائد:
— استنى.
الصورة دي.
أخدها.
وبص فيها.
وقال:
— دي فين؟
أمي قربت.
وقالت:
— دي في بيت جلال.
في المخزن القديم.
الرائد قام بسرعة.
وقال:
— يبقى نرجع هناك حالًا.
وصلنا بيت جلال.
كان متشمع بالشمع الأحمر.
لكن النيابة سمحت بفتحه.
دخلنا المخزن.
وبعد شوية…
لقينا الدولاب.
قديم.
وصدي.
وعليه قفل ضخم.
كسرناه.
ولما الباب اتفتح…
كلنا اتجمدنا.
جواه…
ملفات.
وصور.
وأشرطة فيديو.
ودفتر أسود كبير.
الرائد فتح أول صفحة.
واتسعت عينيه.
لأن الصفحة الأولى…
كانت عبارة عن قائمة أسماء.
قدام كل اسم…
تاريخ.
ومبلغ فلوس.
وأول اسم في القائمة…
كان اسم أبويا.
لكن الصدمة الحقيقية…
إن الاسم اللي تحته مباشرة…
كان اسم الرائد حسام نفسه.
رفع الرائد الورقة بذهول.
وقال:
— مستحيل…
أنا عمري ما شفت الدفتر ده.
لكن آخر سطر في الصفحة…
كان مكتوب بخط أحمر:
“كل واحد في الدفتر… ليه دور… حتى لو ما يعرفش.”
وفي اللحظة دي…
رن هاتف الرائد.
رد بسرعة.
وتغير لون وجهه.
بص لنا وقال:
— لقينا دهب…
لكنها مش لوحدها.
معاها واحدة ست…
بتقول إن اسمها…
هاجر.
الفصل الحادي عشر
عودة هاجر
أول ما الرائد حسام قال:
— لقينا دهب… ومعاها واحدة بتقول إن اسمها هاجر.
أمي حطت إيديها على قلبها.
وقالت:
— يعني… هاجر عايشة؟
الرائد هز رأسه.
وقال:
— شكلها تعبانة جدًا… لكنها أصرت إنها ما تتكلمش غير لما تشوفكم.
خرجنا فورًا.
وفي الطريق…
ولا حد في العربية نطق.
كل واحد كان بيفكر في سؤال واحد:
إذا كانت هاجر عايشة…
مين الجث..ة اللي اتدفنت من سبع سنين؟
وصلنا لمكان آمن تابع للشرطة.
دخلنا أوضة صغيرة.
كانت دهب قاعدة على الكنبة.
وأول ما شافت أمي…
قامت وحضنتها.
المرة دي…
حضنها كان أطول.
وأهدى.
كأنها أخيرًا صدقت إنها رجعت.
وبجوارها…
كانت ست في أوائل الثلاثينات.
وشها شاحب.
لكن عينيها مليانة قوة.
أول ما شافت عبدالسلام مش موجود…
عرفت الحقيقة.
وسألت بصوت مكسور:
— بابا… مجاش؟
الرائد نزل رأسه.
وقال:
— البقاء لله.
هاجر غمضت عينيها.
ونزلت دمعة واحدة.
وقالت:
— كنت عارفة إنه هيدفع التمن.
لكن ماكنتش متخيلة إنه هيلحقني قبلي.
بعد دقائق…
بدأت تحكي.
قالت:
— ليلة الحريق…
أنا ما متش.
جلال والدكتور سامح خدوني أنا ودهب.
قالوا إننا لو اتكلمنا…
أهلنا كلهم هيموتوا.
فضلنا في مكان تحت الأرض.
ننقل من مكان لمكان.
كل ما نحاول نهرب…
كانوا يمسكوا واحدة فينا.
ويعاقبوا التانية.
أمي ماقدرتش تمسك دموعها.
وقالت:
— ليه كل ده؟
هاجر بصت للرائد.
وقالت:
— لأننا ما شفناش جري..مة واحدة.
إحنا شفنا شبكة كاملة.
تزوير.
وتهريب.
ورشاوى.
وأسماء كبيرة.
وأخرجت من جيبها فلاشة صغيرة.
وقالت:
— دي سبب إنهم فضلوا مطاردينا.
الرائد أخدها بحذر.
وسأل:
— فيها إيه؟
قالت:
— كل حاجة.
صور.
وتسجيلات.
وأسماء.
وأول واحد لازم تشوفه…
هو آخر تسجيل.
وصلوا الفلاشة بجهاز الكمبيوتر.
اشتغل الفيديو.
ظهر الدكتور سامح.
قاعد قدام الكاميرا.
واضح إنه كان بيسجل لنفسه.
وقال:
“لو أنتوا بتشوفوا الفيديو ده…
يبقى اللعبة انتهت.
أنا مش أكبر واحد في الحكاية.
أنا مجرد منفذ.”
الرائد قرب من الشاشة.
الدكتور أكمل:
“الرجل اللي أمر بكل حاجة…
هو اللي كان بيحمينا كلنا.
ولو اسمه ظهر…
هتتهز البلد.”
ثم رفع ملفًا أزرق أمام الكاميرا.
وقال:
“كل الأدلة هنا.”
وفجأة…
انفتح باب الغرفة اللي كان بيصور فيها.
الدكتور التفت بخوف.
وقال:
— إنت؟!
الفيديو اهتز.
وسمعنا صوت طلقة.
وبعدين…
الشاشة اسودّت.
ساد الصمت.
الرائد همس:
— يعني الدكتور سامح…
اتقتل علشان ما يفضحش حد.
هاجر هزت رأسها.
وقالت:
— والملف الأزرق…
لسه موجود.
قلت بسرعة:
— فين؟
بصت لنا جميعًا.
وقالت:
— مخبّي في مكان…
ما حدش فينا فكر يدور فيه.
المكان الوحيد…
اللي كانوا متأكدين إن محدش هيفتشه أبدًا.
أمي سألتها:
— فين يا بنتي؟
ابتسمت هاجر لأول مرة منذ بدأت الكلام.
وقالت:
— داخل قبر دهب.
الفصل الثاني عشر
القبر المفتوح
أول ما هاجر قالت:
— الملف الأزرق… جوه قبر دهب.
الرائد حسام اتجمد مكانه.
وقال:
— إنتِ متأكدة من اللي بتقوليه؟
هاجر هزت رأسها.
وقالت:
— الدكتور سامح بنفسه هو اللي خبّاه.
كان دايمًا يقول:
“أكتر مكان محدش هيفكر يفتشه… هو مكان الناس كلها مقتنعة إنه مقدس.”
أمي حطت إيدها على قلبها.
وقالت بصوت مكسور:
— يعني… هنفتح قبر بنتي؟
الرائد رد بهدوء:
— قانونيًا… لازم يكون فيه إذن من النيابة.
ولو كلام هاجر صحيح…
يبقى القبر ده بقى مسرح جري..مة.
بعد ساعات…
وصل إذن النيابة.
وقبل الفجر بشوية…
كنا كلنا واقفين في المقابر.
المطر كان خفيف.
والمكان هادي بشكل يخوف.
عمال المقابر بدأوا يرفعوا التراب.
وأمي كانت واقفة بعيد.
مش قادرة تبص.
أما أنا…
فكنت حاسة إن قلبي هيقف.
بعد وقت…
وصلوا للتابوت.
اتفتح بحضور الطب الشرعي.
لكن…
الج..ثة ما كانتش كاملة.
الطبيب الشرعي قال باستغراب:
— ده غريب…
الرائد سأله:
— إيه؟
قال:
— واضح إن التابوت اتفتح قبل كده.
كلنا بصينا لبعض.
هاجر همست:
— كنت عارفة.
الطبيب رفع قطعة خشب صغيرة كانت مثبتة أسفل التابوت.
ولما شالها…
ظهر تجويف ضيق.
مد إيده جواه.
وطلع…
ملف أزرق.
نفس الملف.
اللي ظهر في الفيديو.
الرائد فتحه بحذر.
كانت فيه عشرات المستندات.
تحويلات بنكية.
صور.
عقود مزورة.
وأسماء كتيرة.
لكن آخر ورقة…
خلت الرائد يسكت تمامًا.
قلت:
— فيها إيه؟
ناولني الورقة.
كانت شهادة تحليل الحمض النووي القديمة.
اللي قالت إن الج..ثة تخص دهب.
لكن عليها ختم أحمر كبير.
مكتوب:
“نتيجة مزورة.”
أمي انهارت في البكاء.
وقالت:
— يعني…
كنت بقرأ الفاتحة سبع سنين…
على بنت معرفهاش؟
الطبيب الشرعي قال بحزن:
— للأسف…
أيوه.
لكن المفاجأة الأكبر…
كانت في ظرف صغير داخل الملف.
الرائد فتحه.
وكان جواه فلاشة.
ومعها ورقة بخط الدكتور سامح.
قرأها بصوت مسموع:
“لو وصلتوا للفلاشة دي… يبقى أنا غالبًا مت.
الحقيقة الكاملة موجودة هنا.
لكن الشخص اللي خطط لكل ده… مش جلال… ومش محمود.
الاسم الحقيقي موجود في آخر دقيقة من التسجيل.”
وصلوا الفلاشة بالكمبيوتر المحمول.
اشتغل الفيديو.
ظهر الدكتور سامح.
كان واضح إنه مصاب.
ودم على هدومه.
بص للكاميرا وقال:
“أنا غلطت…
وسكت سنين.
لكن قبل ما أموت…
لازم أقول الحقيقة.”
ثم رفع صورة قديمة.
وقال:
“كل الناس كانت فاكرة إن اللي بيدير الشبكة رجل أعمال كبير.
لكن الحقيقة…
إن اللي كان بيمول كل حاجة…
واحد عمره ما حد شك فيه.”
وفجأة…
اتفتح باب الغرفة خلفه.
الدكتور التفت بخوف.
وقال:
— إنت وصلت؟!
ظهر ظل شخص.
اقترب ببطء.
ولما بقى قدام الكاميرا…
بان جزء من وشه.
في اللحظة دي…
هاجر شهقت.
ودهب مسكت إيد أمي بقوة.
وأنا حسيت إن الأرض بتميد بيا.
لأن الشخص…
ماكانش غريب.
كان واحد من أقرب الناس لعيلتنا…
الراجل اللي كان بيزورنا كل عيد…
ويقعد مع أبويا بالساعات…
ويحلف إنه بيدور على دهب من أول يوم اختفت.
كان…
خالي عادل.
وبمجرد ما ظهر اسمه…
رن هاتف الرائد حسام.
رد بسرعة.
ثم تغير وجهه وقال:
— اقفلوا كل الطرق…
خالي عادل اختفى من بيته من عشر دقائق…
وساب رسالة واحدة.
“اللي عرف نص الحقيقة…
عمره ما هيوصل للنص التاني.”
الفصل الثالث عشر
المواجهة الأخيرة
بعد أقل من ساعة…
كانت الشرطة وصلت بيت خالي عادل.
لكن البيت…
كان فاضي.
الدولاب مفتوح.
والأوراق متقطعة.
وكأن حد خرج على استعجال.
الرائد حسام بص في كل الأوض.
وفجأة…
لقى صورة قديمة فوق المكتب.
فيها أنا…
ودهب…
وهاجر…
وإحنا أطفال.
وعلى ظهر الصورة…
جملة مكتوبة بخط اليد:
“الغلط كله بدأ من اليوم ده.”
الرائد قلب الصورة.
ولقى تاريخها.
كانت قبل اختفاء دهب بشهرين.
وفي درج المكتب…
كان فيه دفتر صغير.
فتح أول صفحة.
مكتوب فيها:
“أنا ما كنتش مجرم من البداية… لكن أول غلطة عملتها خلتني أعيش طول عمري أغطي عليها.”
بدأ يقرأ بصوت مسموع.
واتضح إن خالي عادل كان شريكًا لجلال في شركة نقل.
وفي إحدى الشحنات…
اكتشفوا وجود بضائع مهربة.
هاجر شافتها بالصدفة.
ودهب عرفت الحقيقة منها.
ولما قرروا يبلغوا الشرطة…
بدأت سلسلة الجرائم.
جلال نفذ.
والدكتور سامح أخفى الأدلة.
أما خالي عادل…
فكان الممول.
وقبل ما الرائد يقفل الدفتر…
وقعت منه ورقة صغيرة.
كان عليها عنوان.
“الاستراحة القديمة – طريق الواحات.”
الرائد رفع رأسه.
وقال:
— دي آخر ورقة كان محتفظ بيها.
لو هرب…
هيهرب هناك.
تحركت قوة الشرطة فورًا.
وصلوا للاستراحة قبل الغروب.
وكان الباب مفتوحًا.
دخلوا بحذر.
الصمت كان يخيم على المكان.
وفجأة…
سمعنا صوت خالي عادل.
قال من آخر الممر:
— اتأخرتوا…
ظهر وهو ماسك مسد..س.
لكن الغريب…
إنه ما وجهوش لينا.
وجهه لنفسه.
وقال وهو بيبكي:
— سبع سنين…
وأنا كل يوم بموت.
الرائد قال بهدوء:
— ارمي السلا..ح.
قال:
— خلاص…
كل حاجة انتهت.
دهب تقدمت خطوة.
وقالت:
— ليه؟
أنا كنت عاملة لك إيه؟
بكى لأول مرة.
وقال:
— ولا حاجة.
إنتِ كنتِ شاهدة…
بس.
وأنا خفت.
الخوف خلاني أضيع ناس بريئة.
جلال.
وسامح.
وأبوكي.
وحتى أنا.
ثم رمى المسد..س على الأرض.
ورفع إيديه.
وقال:
— أنا مستعد أقول كل الحقيقة.
وأدفع تمنها.
اقتربت الشرطة وقبضت عليه.
وقبل أن يركب سيارة الترحيلات…
التفت إلى دهب وقال:
— سامحيني…
فردت بهدوء…
والدموع في عينيها:
— المسامحة عند ربنا…
أما أنا…
فكل اللي أقدر أعمله…
إني أبدأ حياة جديدة بعيد عن ذكرياتكم.
بعد أشهر…
صدر الحكم على جميع المتورطين.
وأُعيد التحقيق في كل القضايا القديمة.
أما الجث..ة المجهولة…
فتم التعرف على هويتها أخيرًا.
ودُفنت باسمها الحقيقي…
بعد سبع سنوات من النسيان.
وفي يوم هادئ…
وقفت أمي أمام قبرها.
قرأت الفاتحة.
وقالت وهي تبكي:
— سامحيني…
كنت فاكرة إني بودع بنتي…
وأنا حتى ما كنتش أعرف اسمك.
ثم ذهبت إلى جوارها دهب.
أمسكت يد أمها.
وقالت بابتسامة لأول مرة منذ سنوات:
— خلاص يا أمي…
المرة دي…
ارجعيني البيت.
أنا تعبت من الغياب.
وأخيرًا…
رجعت دهب إلى البيت.
فُتح باب غرفتها…
بعد سبع سنوات.
لكن هذه المرة…
لم تكن الصور هي التي تنتظرها…
بل أمها.
التي احتضنتها طويلًا…
وكأن كل سنوات الفراق…
ذابَت في حضن واحد.
تمت.