ابن مراته حكـايـات أسمـا

كنت بمسح بقعة في المطبخ، فابني داس على صوابعي وقال: “بصي وإنتِ بتزحفي يا أمي”… ومراته واقفة بتضحك. سكت، رفعت إيدي اللي زرقت، ومسكت طاسة الحديد… وبعد دقايق عرف إني بقالي 6 شهور بجمع أدلة ضده.

الجزء الأول

“بصي وإنتِ بتزحفي يا أمي.”قالها كريم…

وهو دايس بجزمته على صوابعي…وأنا على ركبي في أرض المطبخ.

الألم طلع في دراعي كله كأنه كهربا.كنت بمسح بقعة صلصة ناشفة…

مراته نهى كانت وقعتها “بالغلط” من نص ساعة.

ريحة الكلور…والزيت القديم…والإهانة…

كانوا ماليين المطبخ.نهى كانت واقفة عند باب المطبخ…

ماسكه كوباية عصير…وضحكت ضحكة قصيرة.

وقالت بدلع:”بس يا كريم…مامتك لسه تنفع في حاجات.”

ما صرختش.ما عيطتش.بصيت بس لإيدي.

صوابعي بدأت تزرق..كان عندي 68 سنة…

لكن في اللحظة دي حسيت إن عمري كله وقع فوق صدري.

كريم…ابني الوحيد.اللي ربيته بعد موت أبوه.

اشتغلت وخيطت وبعت أكل من البيت…علشان أعلمه.

دفعت مصاريف كليته.وساعدته مرتين بفلوس…علشان شركته ما تقعش.

ودلوقتي…واقف يبصلي كأني خدامة ما نفذتش الأوامر.

قال ببرود:”قلتلك تنضفي كويس.”

“بكرة عندي ناس مهمة…ومش عايز البيت يبقى ريحته عجايز.”

البيت؟ده بيتي أنا.

بيت مصر الجديدة…اللي دفعته من شقا عمري جنيه فوق جنيه…

قبل ما كريم يعرف يعني إيه شيك أصلاً.نهى قربت مني.

لابسة فستان بيج أنا اللي اشتريتهولها من شهرين…

لما كنت لسه فاكرة إن طيبتها موجودة بس مدفونة.

قالت:”يا طنط سعاد…

ما تكبريش الموضوع.””كريم مضغوط.”

“إنتِ عارفة شغل الرجالة الناجحة.”

كتمت الكلام في حلقي.ناجح؟

غريبة كلمة ناجح دي…على راجل شركته عايشة على فلوسي اللي كنت بحولها له في السر…

علشان ما أحرجوش قدام شركاه.

كل ده بدأ من 8 شهور.

لما كريم ونهى قالوا إنهم هيقعدوا عندي “كام أسبوع” لحد ما شقتهم تتجدد.

دخلوا بشنطهم…وأجهزتهم…

وطريقة بصّتهم لأثاثي…

كأنهم بيقرروا هيرموا إيه أول ما أموت.

بعدها غيروا كالون أوضة المكتب بحجة الأمان.

وبعدين كشوف الحسابات بطلت توصلني.

وبقى كريم يقول قدام الناس:

“ماما بتنسى.”

“ماما بتتلخبط.”

“السن بقى مأثر عليها.”

وكان يبتسم ويقول:

“ما تقلقيش يا أمي…

أنا هتصرف.”

لكن أنا قلقت.

لأني قبل ما أكون أرملة هادية بمريلة مطبخ…

كنت محاسبة قانونية 34 سنة.

كشفت اختلاسات في شركات كبيرة…

لناس كانوا بيلبسوا بدل غالية…

ويستخدموا كلمة “العيلة” علشان يغطوا سرقتهم.

كريم نسي ده.

أو يمكن…

افتكر إن حبي ليه خلاني غبية.

سحبت إيدي ببطء من تحت جزمته.

جلدي كان بيوجعني.

ونهى ضحكت تاني…

بس أوطى.

وساعتها…

حاجة جوايا سكتت.

ماكانش غضب.

كان وضوح.

قمت على رجلي.

كريم قطب.

“رايحة فين؟”

مسكت طاسة الحديد التقيلة اللي كانت بتاعة أمي.

عديت من بينهم من غير كلمة.

مشيت في الصالة…

اللي شالوا منها صوري القديمة…

وحطوا مكانها لوحات حديثة مالهاش روح.

فتحت باب البيت.

ونزلت للجراج.

عربية كريم الزرقا…

اللي بيحبها أكتر مني…

كانت واقفة بتلمع.

رفعت الطاسة.

وضربت الزجاج الأمامي.

اتكسر بصوت خلى كل كلاب الشارع تنبح.

كريم جري ورايا وهو بيصرخ:

“إنتِ اتجننتي؟!”

لفيت له.إيدي وارمة.والطاسة لسه في إيدي.وقلت بهدوء:”لأ يا ابني…””أنا بس بطلت أزحف.”ولما شفت الخوف في عينه…فهمت إنه مش خايف على العربية.هو افتكر فجأة…إنه لسه واقف…في بيتي أنا.

يتبع…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
الفصل الثاني
كريم وقف في الجراج مذهول.
كان الزجاج المهشم متبعثر تحت رجليه.
أما أنا…
فحطيت طاسة الحديد على كبوت العربية…
ورجعت البيت بهدوء.
أول مرة من شهور…
أمشي في بيتي وأنا رافعة راسي.
دخل كريم وراه نهى.
وشه أحمر من الغضب.
صرخ:
“إنتِ هتدفعي تمن العربية!”
بصيت له بهدوء.
وقلت:
“هات ورق ملكيتها.”
اتلخبط.
قال:
“يعني إيه؟”
ابتسمت لأول مرة.
“العربية متسجلة باسمي.”
سكت.
نهى بصت له باستغراب.
“إيه؟”
بلع ريقه وقال بسرعة:
“دي كانت إجراءات مؤقتة.”
قلت:
“آه…علشان البنك رفض يمولك، وأنا اللي جبتها بقرض باسمي.”
نهى بصت له وكأنها أول مرة تعرف الحقيقة.
بدأت ملامحها تتغير.
لكن كريم حاول يسيطر على الموقف.
قال:
“إنتِ كبرتي في السن يا أمي…ومش فاهمة.”
ضحكت.
ضحكة صغيرة.
“أنا فاهمة أكتر مما تتخيل.”
طلعت مفتاح صغير من جيبي.
فتحت درج البوفيه.
أخرجت ملف أزرق.
ورميته قدامه.
فتح أول صفحة.
اتغير لون وشه.
كانت صور.
وصور.
وصور.
نسخ من تحويلات بنكية.
إيصالات.
رسائل.
تسجيلات مكالمات مكتوبة.
كل حاجة.
قال وهو بيترعش:
“إيه ده؟”
قلت:
“ده شغل آخر ست شهور.”
نهى قربت تشوف.
لقيت كشف حساب فيه تحويلات شهرية لحساب كريم.
كلها من حسابي.
بإجمالي أكتر من مليون جنيه.
قالت له:
“إنت قلتلي إن الفلوس من أرباح الشركة.”
ما ردش.
طلعت ورقة تانية.
كانت توكيل عام.
لكن عليه ختم “ملغي”.
قلت:
“عارف إمتى ألغيته؟”
سكت.
“بعد أسبوع من أول مرة سمعتك بتقول للناس إن عندي زهايمر.”
نهى بصت له بصدمة.
“إنت قلت كده؟”
بدأ يتوتر.
“يا نهى…اسكتي.”
قلت:
“لسه في أكتر.”
فتحت اللاب توب.
شغلت تسجيل.
صوته هو.
واضح جدًا.
“…لازم نخليها توقع على البيع قبل ما تموت.”
صوت نهى:
“…ولو رفضت؟”
رد كريم:
“…هنجيب دكتور يثبت إنها مش مدركة.”
الصالة كلها سكتت.
نهى رجعت خطوة لورا.
بصت له بخوف.
قال بسرعة:
“ده هزار.”
قلت:
“القاضي هيقرر إذا كان هزار ولا لأ.”
رن جرس الباب.
كريم جري يفتحه.
كان فيه ثلاثة رجال.
واحدة منهم سيدة في الخمسينات.
قالت بهدوء:
“مساء الخير.”
“أنا الأستاذة داليا.”
“محامية مدام سعاد.”
كريم اتجمد.
دخلت المحامية.
وراها خبير خطوط.
وموظف تنفيذ.
حطوا الأوراق على السفرة.
قالت المحامية:
“بناءً على طلب المالكة الشرعية للعقار…”
“تم توجيه إنذار رسمي بإخلاء المنزل خلال خمسة عشر يومًا.”
نهى شهقت.
كريم خطف الورقة.
قرأها بسرعة.
صرخ:
“أمي مستحيل تعمل كده.”
بصيت له.
وقلت:
“أمك ماتت يوم دوست على صوابعها.”
“اللي واقفة قدامك دلوقتي…”
“صاحبة البيت.”
الفصل الثالث
من تاني يوم…
بدأت الحرب.
كريم لف على كل القرايب.
قال إن أمه اتغيرت.
وإنها بقت عصبية.
وإنها محتاجة علاج.
لكن كان فيه حاجة نسيها.
أنا كنت محتفظة بكل رسالة.
وكل تسجيل.
وكل ورقة.
حتى كاميرات البيت…
اللي هو ما كانش يعرف إنها بتسجل صوت وصورة.
المحامية قدمت طلب للمحكمة.
وأثبتت إن محاولات الحجر عليّ كانت مبنية على تقارير مزيفة.
الدكتور اللي كتب التقرير…
اعترف.
قال إن كريم دفع له.
اتفتح تحقيق.
أما الشركة…
فالمفاجأة كانت أكبر.
لأن الفلوس اللي كنت بحولها له…
كان بيطلعها باسم مصروفات وهمية.
والضرائب بدأت تراجع الحسابات.
الشركاء عرفوا الحقيقة.
وفي أسبوع واحد…
انسحب أكبر عميل.
وبعده اتنين.
وبعد شهر…
الشركة أعلنت خسائر ضخمة.
نهى بدأت تلومه كل يوم.
كانت فاكرة إنها متجوزة رجل أعمال ناجح.
اكتشفت إنها متجوزة راجل كان عايش على أمه.
وفي ليلة…
سمعتهم بيتخانقوا.
نهى كانت بتصرخ:
“إنت كذبت عليّ في كل حاجة.”
رد:
“اعملي اللي إنتِ عايزاه.”
بعد أسبوع…
نهى سابت البيت.
ورفعت قضي*ة طلاق.
الفصل الأخير
بعد ستة أشهر…
كنت قاعدة في البلكونة.
بشرب شاي بالنعناع.
والشمس داخلة على الورد اللي زرعته بإيدي.
جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت كريم.
هدومه بسيطة.
وشعره شاب.
وعينه مكسورة.
قال:
“ممكن أدخل؟”
قلت:
“اتفضل.”
دخل وقعد ساكت.
وبعدين قال:
“أنا خسرت كل حاجة.”
ما رديتش.
كمل:
“نهى سابتني.”
“الشركة قفلت.”
“والناس كلها بعدت.”
بصيت له.
وقلت:
“فاكر أول جملة قلتها لي وأنا على الأرض؟”
نزل راسه.
دموعه نزلت.
قال:
“…بصي وإنتِ بتزحفي.”
هزيت راسي.
وقلت:
“اللي يذل أمه…الدنيا بتعرف تذله.”
طلع ظرف من جيبه.
فيه مفتاح البيت.
وبطاقة العربية.
وقال:
“سامحيني.”
خدت الظرف.
لكن رجعته له.
وقلت:
“المسامحة عند ربنا.”
“أما الثقة…”
“دي لما بتتكسر…”
“صعب ترجع زي الأول.”
قام ومشي.
وقبل ما يقفل الباب…
لف وبصلي.
كانت أول مرة أشوفه باصص لي…
كأم.
مش كمصدر فلوس.
قفلت الباب بهدوء.
رجعت لبلكونتي.
وبصيت لصورة جوزي الله يرحمه.
وابتسمت.
لأني أخيرًا…
ما بقيتش الست اللي بتزحف علشان ترضي الناس.
بقيت الست…
اللي وقفت على رجليها…
حتى وهي في الثامنة والستين من عمرها.
الخاتمة
بعد سنة كاملة…
الحياة بقت هادية.
هادية بشكل كنت فاكرة إني نسيته.
رجعت أفتح أوضة المكتب.
الأوضة اللي كريم قفلها بالمفتاح…
ورجعها لي القدر من غير ما أطلبها.
شلت اللوحات الحديثة اللي نهى علقتها.
ورجعت صور جوزي.
وصورة كريم وهو عنده خمس سنين…
واقف ببدلة المدرسة، ماسك إيدي، وبيضحك من قلبه.
وقفت قدام الصورة وقت طويل.
وقلت لنفسي:
“فين راح الطفل ده؟”
يمكن الدنيا غيرته…
يمكن الطمع.
ويمكن…
أنا كنت بدي أكتر من اللازم، لحد ما بقى العطاء بالنسبة له حق مش فضل.
بعد شهرين…
بعت البيت الكبير.
كل الجيران استغربوا.
قالوا:
“إزاي تسيبي بيت عشتي فيه أربعين سنة؟”
ابتسمت.
وقلت:
“البيت اللي شهد الإهانة…ما ينفعش يكون بداية جديدة.”
اشتريت شقة أصغر.
دور تاني.
في عمارة هادية.
قدامها جنينة.
وأول حاجة عملتها…
إني ركبت كاميرات.
مش علشان بخاف.
لكن علشان اتعلمت إن الطيبة…
لازم يكون معاها حكمة.
رجعت أشتغل.
مش علشان الفلوس.
لكن علشان نفسي.
فتحت مكتب صغير للمحاسبة والاستشارات.
الناس اللي كنت بشتغل معاهم زمان…
رجعوا يتصلوا بيا.
واحد قال:
“إحنا محتاجين خبرتك.”
واحدة قالت:
“محدش بيعرف يمسك الحسابات زيك.”
حسيت لأول مرة…
إني لسه ليا قيمة بعيد عن دور الأم.
أما كريم…
فات عليه سنة صعبة.
خسر شركته.
وباع عربيته.
واشتغل موظف في شركة صغيرة.
كان كل شهر يبعت لي رسالة.
“إزيك يا أمي؟”
وأنا أرد.
“الحمد لله.”
لا أكتر…
ولا أقل.
وفي يوم عيد الأم…
لقيت خبط على الباب.
فتحت.
لقيته واقف.
في إيده وردة بيضا.
وقال بصوت مكسور:
“أنا مش جاي أطلب فلوس.”
“ولا أطلب البيت.”
“أنا جاي أطلب فرصة…أكون ابن كويس قبل ما الوقت يخلص.”
فضلت ساكتة.
دخلته.
عملت له كوباية شاي.
وقعدنا قدام بعض.
أول مرة من سنين…
من غير صوت عالي.
من غير أوامر.
من غير كذب.
قال:
“كل يوم بصحى فاكر منظر صوابعك وهي مزرقة.”
“وكل يوم بندم.”
قلت بهدوء:
“الندم بداية.”
“لكن الإصلاح هو الامتحان الحقيقي.”
من اليوم ده…
ما رجعش يعيش معايا.
وما رجعتش أصرف عليه.
ولو احتاج نصيحة…
كنت أقدمها.
ولو احتاج فلوس…
كنت أرفض.
لأن المساعدة اللي بتخلي الإنسان يعتمد على غيره…
مش رحمة.
دي أذى.
بعد ثلاث سنين…
اتجوز مرة تانية.
من بنت بسيطة.
كانت أول شرط حطيته عليه قبل ما أوافق أحضر الفرح…
إنه يكتب شقته باسم مراته بالمشاركة.
ويبقى كل شيء واضح.
وافق.
وقال قدام الناس:
“أمي علمتني إن الظلم يبدأ بكذبة صغيرة.”
ضحكت.
لأول مرة…
حسيت إن الدرس وصل.
أما أنا…
فكل صباح…
أشرب قهوتي في البلكونة.
وأبص للشمس.
وأفتكر اليوم اللي وقفت فيه في الجراج…
وطاسة الحديد في إيدي.
وأعرف إن القرار ده…
رغم وجعه…
أنقذ اللي باقي من عمري.
لأن أكبر غلطة ممكن يعملها أي أب أو أم…
إنهم يفتكروا إن حبهم لأولادهم معناه التنازل عن كرامتهم.
الحب الحقيقي…
عمره ما يطلب منك تزحف.
والكرامة…
لما تضيع مرة…
استرجاعها يستحق أي ثمن.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *