غدر الاحبه حكايات الكاتبه اسما السيد 2
بعد ما خلصت قراءة الورقة…
إيدي كانت بترتعش.
قلبت الصفحة بسرعة.
ولقيت خطاب من المحامي مكتوب فيه:
“بناءً على رغبة السيدة نادية عبدالسلام…”
“تم نقل ملكية نسبة خمسين بالمائة من العقار إلى السيدة دينا محمود…”
“كنوع من الهبة الموثقة…”
“ولا يجوز الرجوع فيها قانونًا.”
وقفت مش قادرة أتنفس.
أنا؟
نص البيت باسمي؟
يعني…
محمود كان بيكدب.
من أول كلمة قالها.
ومن أول ما حط ورق الطلاق قدامي.
كان عارف…
إن لو أنا عرفت الحقيقة…
مش هقدر يطردني.
لكن لسه فيه حاجة.
ليه كان بيفتش في البيت؟
إيه اللي كان بيدور عليه؟
فتحت الدفتر القديم.
كان دفتر صغير…
كل صفحة فيه مكتوب فيها تاريخ.
وتحت كل تاريخ…
مبلغ.
واسم.
وشهر.
وفي آخر كل صفحة…
توقيع محمود.
استغربت.
روحت لآخر الدفتر.
ولقيت جملة بخط الحاجة نادية:
“دي الفلوس اللي أخدها مني بحجة إنه هيسدد أقساط البيت.”
“وكل مرة كان يجبرني أمضي على إيصال أمانة علشان يضمن إني ما أتكلمش.”
لكن المفاجأة…
إن الإيصالات دي…
كانت كلها موجودة في الملف.
وأصلها كمان.
يعني…
لو حاول ينكر…
كل حاجة متوثقة.
فتحت الفلاشة.
كان فيها عشرات الفيديوهات.
أول فيديو…
الحاجة نادية قاعدة على كرسيها.
واضح إنها سجلته وهي بكامل وعيها.
بصت للكاميرا وقالت:
“أنا الحاجة نادية…”
“ولو الفيديو ده بيتشاف…”
“يبقى يا إما أنا مت…”
“يا إما ابني محمود عمل اللي كنت خايفة منه.”
دموعي نزلت.
وقالت وهي بتحاول تمسك نفسها:
“أنا بحب ابني…”
“لكن ربنا شاهد…”
“إني فشلت أربيه.”
“دينا عمرها ما قصرت معايا.”
“باعت دهبها علشان علاجي.”
“وسابت شغلها علشاني.”
“أما محمود…”
“فكان بيجي يسألني…”
“الفلوس فين؟”
“والعقد فين؟”
“والوصية اتكتبت ولا لأ؟”
“ولما كنت أرفض…”
“كان يزعق.”
“وأوقات يسيبني بالأيام من غير ما يسأل.”
قفلت الفيديو.
ما قدرتش أكمل.
أنا كنت فاكرة إنه مشغول بالشغل.
لكن الحقيقة…
إنه كان بيدور على مصلحته.
رجعت البيت…
وكأني شخص تاني.
دخلت.
لقيته قاعد في الصالة.
أول ما شافني قال:
ـ كنتِ فين؟
قلت بهدوء:
ـ بخلص كام ورقة.
قال وهو بيبتسم بسخرية:
ـ خلصي بسرعة.
المحامي هيبعتلك معاد أول جلسة.
ابتسمت لأول مرة.
ابتسامة خلت وشه يتغير.
قال باستغراب:
ـ بتضحكي ليه؟
طلعت من الشنطة نسخة من عقد الهبة.
وحطيتها قدامه.
قرأ أول سطر.
ولونه اتغير.
وقام واقف.
ـ إيه ده؟
قلت:
ـ كمل.
فضل يقلب الصفحات.
وكل صفحة…
وشه بيصفر أكتر.
صرخ فجأة:
ـ مستحيل.
أمي مستحيل تعمل كده.
قلت بهدوء:
ـ عملتها.
علشان كانت عارفة إنك هتعمل اللي عملته.
جرى ناحية أوضة أمه.
فتح الدولاب.
وقلب كل حاجة.
ورجع يجري.
ـ المفتاح فين؟
فين الملف؟
فين الفلاشة؟
ابتسمت.
وقلت:
ـ الحاجة الوحيدة اللي مش هتلاقيها…
هي الحاجة اللي أمك ائتمنتني عليها.
اتجنن.
وقرب مني وهو بيزعق:
ـ هاتيهم.
دول بتوعي.
قلت بثبات:
ـ لأ.
دول حق الحقيقة.
وفي اللحظة دي…
رن جرس الباب.
فتح محمود بعصبية.
وكانت المفاجأة…
واقف قدام الباب…
المحامي الخاص بالحاجة نادية.
ومعاه مأمور تنفيذ.
وشخصين من الشهر العقاري.
قال المحامي بهدوء:
ـ أستاذ محمود…
إحنا جايين ننفذ آخر وصية قانونية سجلتها والدتك قبل وفاتها.
سكت البيت كله.
ومحمود حس لأول مرة…
إن اللعبة اللي رسمها سنين…
بدأت تقع قطعة… قطعة.
فتح محمود الباب وهو بيحاول يتمالك أعصابه.
وقال بحدة:
ـ وصية إيه؟ أمي ماتت… وكل حاجة خلصت.
المحامي بص له بثبات.
وقال:
ـ بالعكس… لسه أهم جزء ما اتنفذش.
اتفضلوا.
دخل مأمور التنفيذ.
ومعه موظف من الشهر العقاري.
ورجل آخر كان شايل حقيبة أوراق.
أنا وقفت ساكتة.
ومحمود بدأ يتوتر.
قال للمحامي:
ـ أنا ابنها الوحيد… ومفيش حد له حق يتدخل.
ابتسم المحامي ابتسامة خفيفة.
وقال:
ـ والدتك كانت تعرف إنك هتقول الجملة دي.
وعشان كده…
وثقت كل حاجة بالصوت والصورة.
طلع نسخة من الفيديو.
وحطه قدام محمود.
أول ما شاف صورة أمه…
وشها اتغير.
سمع صوتها وهي بتقول:
“يا محمود…
لو أنت بتشوف الفيديو ده…
يبقى للأسف عملت اللي كنت خايفة تعمله.”
“أنا أمك…
وأعرفك أكتر من أي حد.”
“عارفة إنك هتستنى موتي…
وبعدين تطلق دينا.”
“وعارفة إنك هتحاول تبيع البيت.”
محمود قفل اللاب توب بعصبية.
وصاح:
ـ مش هسمع الهبل ده.
المحامي قال بهدوء:
ـ الفيديو نسخة.
والنسخة الأصلية مودعة مع المحكمة.
لو كسرت دي…
في غيرها عشرة.
سكت محمود.
ولأول مرة…
بان عليه الخوف الحقيقي.
فتح المحامي الملف الأخير.
وقال:
ـ قبل أربع سنين…
الحاجة نادية استدعتني.
وقالتلي بالحرف:
“أنا ابني غرقان في الديون.”
“ولو سيبتله البيت…
هيبيعه في أسبوع.”
“لكن الست اللي ضحت بعمرها…
لازم تلاقي سقف يحميها.”
وبالفعل…
تم تسجيل نصف العقار باسم السيدة دينا.
أما النصف الثاني…
فتم عمل شرط قانوني يمنع بيعه…
إلا بموافقة الطرفين.
يعني…
لا محمود يقدر يبيع.
ولا يقدر يرهن.
ولا يقدر يطرد دينا.
وقع الخبر على محمود كالصاعقة.
صرخ:
ـ مستحيل.
أنا صاحب البيت.
رد موظف الشهر العقاري بهدوء:
ـ الأوراق الرسمية قدام حضرتك.
ولو مش مصدق…
تقدر تطلع شهادة من السجل العقاري.
كلها هتثبت نفس الكلام.
لكن المفاجأة…
ما كانتش خلصت.
المحامي طلع ظرف أبيض.
وقال:
ـ وفي حاجة كمان.
ده خطاب أمرت الحاجة نادية إنه يتفتح بعد وفاتها.
فتح الظرف.
وبدأ يقرأ.
“أنا نادية…
بشهد قدام ربنا…
إن كل جنيه دفعته دينا في البيت…
كان من تعبها.”
“أما محمود…
ففي آخر عشر سنين…
كان بياخد فلوس من البيت…
مش بيصرف عليه.”
“ولو حاول يوم يظلمها…
أشهد قدام ربنا…
إن الحق معاها.”
كنت ببكي.
مش عشان البيت.
ولا عشان الورق.
لكن عشان ست كبيرة…
كانت شايفة كل حاجة.
وساكتة…
لحد ما قدرت تحميني.
في نفس اللحظة…
رن جرس الباب مرة تانية.
دخل ابني أحمد.
وبنته الصغيرة ماسكة إيده.
أول ما شاف الجو…
قال:
ـ في إيه؟
المحامي بص له.
وقال:
ـ كويس إنك جيت.
والدتك لازم يبقى معاها شهود.
بص أحمد لأبوه.
وقال:
ـ هو صحيح يا بابا؟
إنت طلقت أمي بعد وفاة جدتي بثلاث أيام؟
محمود حاول يبرر.
ـ دي أمور بيني وبينها.
لكن أحمد قاطعه.
ـ لا.
دي مش أمور خاصة.
دي ست ضحت بحياتها كلها عشاننا.
كانت بتصحى قبل الفجر.
وتنام بعد نص الليل.
وأنت أول مكافأة ليها…
إنك رميتلها ورق الطلاق؟
سكت محمود.
وبص في الأرض.
أما بنتنا سارة…
فكانت وصلت هي كمان بعدما كلمها أخوها.
أول ما عرفت الحقيقة…
حضنتني وهي بتبكي.
وقالت:
ـ سامحيني يا ماما.
أنا صدقت بابا لما قال إنك كنتِ مستنية جدتي تموت عشان تاخدي البيت.
لفيت أبص لمحمود.
لقيته مطرق رأسه.
عرفت وقتها…
إن أكتر حاجة خسرها…
ما كانتش البيت.
ولا الفلوس.
كانت احترام ولاده.
والخسارة دي…
مافيش محكمة في الدنيا تقدر تعوضها.
مر أسبوع…
والبيت بقى ساكت بشكل غريب.
أنا بقيت في أوضتي.
ومحمود بقي في أوضة الضيوف.
ولا كلمة بينا.
ولا حتى نظرة.
لكن الهدوء…
ما كانش معناه إن الحرب انتهت.
كان مجرد بداية.
بعدها بأيام…
المحامي كلمني.
وقال:
ـ يا مدام دينا… لازم تيجي المكتب.
في ورق جديد وصل.
استغربت.
ـ ورق إيه؟
قال:
ـ هتعرفي لما تيجي.
…
دخلت المكتب.
لقيت المحامي مبتسم.
وحط قدامي ملف جديد.
وقال:
ـ ده كشف رسمي من البنك.
فتحت الملف.
لقيت تحويلات بمبالغ كبيرة.
على مدار سبع سنين.
كلها خارجة من حساب الحاجة نادية.
وراحت لحساب محمود.
قلت باستغراب:
ـ يعني كانت بتديه فلوس؟
قال:
ـ كملّي.
بصيت في الصفحة الأخيرة.
واتجمدت.
جنب كل تحويل…
سبب التحويل.
“لسداد أقساط البيت.”
“لعلاج الزوجة.”
“لتعليم الأولاد.”
لكن الحقيقة…
ما كانتش كده.
لأن المحامي فتح ملف تاني.
وقال:
ـ دي كشوف البنك بتاعة محمود.
كل الفلوس دي…
راحت لشركات مراهنات إلكترونية.
واستثمارات وهمية.
ورحلات.
وسيارات.
ماكنش بيدفع جنيه واحد على البيت.
أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا.
واحد وتلاتين سنة…
وأنا فاكرة إنه شايل الحمل معايا.
وفي الحقيقة…
كان بيغرقنا كلنا.
رجعت البيت.
لقيته قاعد قدام التلفزيون.
قلت بهدوء:
ـ ليه؟
بصلي.
وسكت.
قلت:
ـ ليه عملت فينا كده؟
إحنا كنا عيلة.
رد لأول مرة.
وقال:
ـ كنت فاكر هعوض.
كل مرة أخسر…
كنت أقول المرة الجاية هكسب.
ولما الديون كبرت…
ماعرفتش أخرج.
قلت:
ـ فبعت دهب مراتي؟
وسبتها تشتغل؟
وأخدت فلوس أمك؟
ولما ماتت…
طلقتني؟
نزل دموعه.
وقال:
ـ كنت خلاص…
غرقت.
قلت بمرارة:
ـ لا.
إنت غرقت من أول مرة اخترت الكذب.
بعد يومين…
وصل إخطار من المحكمة.
أحد الدائنين رفع قض\ية على محمود.
وكان عايز يحجز على ممتلكاته.
لكن لما عرف إن البيت…
ما يقدرش يتباع.
بدأ يطالب بحاجات تانية.
عربيته.
وحساباته.
وكل اللي باسمه.
وقتها…
عرف محمود إن خطة أمه…
ما كانتش مجرد حماية ليا.
كانت كمان حماية للبيت…
من أخطاء ابنها.
في مساء هادئ…
كنت قاعدة في أوضة الحاجة نادية.
أرتب هدومها الأخيرة.
ولقيت جيب صغير في عبايتها.
مديت إيدي.
طلعت مفتاح.
ومعاه ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان مكتوب:
“لو وصلتي للورقة دي…
يبقى لسه في قلبك وجع.”
“عارفة إنك هتسامحي.”
“لأن قلبك أكبر من الأذى.”
“لكن أوعي تنسي.”
“المسامحة حاجة…
وترجعي تثقي في اللي كسرك حاجة تانية.”
قفلت الورقة…
وحضنتها على صدري.
وأول مرة…
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت بصوت واطي:
ـ حاضر يا أمي…
هسامح…
لكن عمري ما هرجع أسمح لحد يضيع عمري تاني.
بعد ستة أشهر…
صدر حكم الطلاق.
بهدوء.
ومن غير صراخ.
خرجت من المحكمة…
وأنا مش حاسة إني خسرت.
بالعكس.
كنت حاسة…
إني أخيرًا خرجت من حياة…
كنت فيها بدفع التمن لوحدي.
أما محمود…
فخرج من باب المحكمة…
واقف لوحده.
لا زوجة.
ولا أولاد واقفين معاه.
ولا أم…
تدافع عنه.
وقف يبص ناحيتي.
وقال بصوت مكسور:
ـ دينا…
ممكن تسامحيني؟
بصيت له ثواني.
وقلت بهدوء:
ـ سامحتك…
من يوم ما قررت أنقذ اللي باقي من عمري.
لكن الرجوع…
انتهى يوم ما حطيت ورق الطلاق قدامي بعد دفن أمك بثلاث أيام.
لفيت وخرجت.
وأنا حاسة إن الحاجة نادية…
رغم إنها رحلت…
كانت آخر مرة بتحميني فيها…
هي اللي رجعتلي نفسي… ونفذت وعدها إنها تسيبلي بيت… أعيش فيه بكرامة حتى آخر العمر.
تمت.