أثناء العشاء حكـايـات أسمـا السـيد ×3
الفصل التاسع: ماما الحقيقية
جريت بأقصى سرعة ناحية الصوت.
سارة كانت ورايا وهي بتصرخ:
“آدم!”
آخر البيت كان فيه ممر صغير بينتهي بأوضة التخزين القديمة.
الباب كان موارب.
وصوت آدم كان جاي من جوه.
دفعت الباب بعنف.
لقيته واقف في نص الأوضة.
ظهره لينا.
وبيكلم حد.
قال بصوت هادي:
“بابا جه.”
حسيت بقشعريرة.
قربت منه بسرعة.
وحطيت إيدي على كتفه.
لف ناحيتي.
كان بيبتسم.
وقال:
“خلاص… هي مش زعلانة.”
بصيت حوالي.
الأوضة فاضية.
مفيش غير كراتين قديمة ورفوف خشب.
قلت:
“بتكلم مين يا آدم؟”
رفع صباعه ناحية الحيطة.
“هناك.”
بصيت.
كان فيه مراية قديمة متغطية بنص قماشة.
شلت القماشة.
انعكس وشي…
وورايا سارة وآدم.
بس…
كان فيه حاجة غلط.
في المراية…
سارة كانت واقفة في مكان مختلف.
مش جنبي.
كانت واقفة بعيد…
وشكلها مرعوب.
لفيت بسرعة أبص عليها.
لقيتها واقفة جنبي زي ما هي.
رجعت بصيت للمراية…
رجعت طبيعية.
نفسي بدأ يرجع.
قلت لنفسي:
“أنا خلاص بقيت بتخيل.”
لكن آدم قال بهدوء:
“هي كانت بتوريك.”
في نفس اليوم…
قررت أعمل حاجة كان لازم أعملها من الأول.
رجعت بكل تسجيلات الكاميرات من أول يوم ركبتها.
قعدت أنا وسارة قدام اللابتوب.
راجعنا أول ليلة.
التانية.
التالتة.
كل حاجة عادية.
لحد تسجيل ليلة من أسبوع…
قبل ما آدم ينطق أول مرة بكلمة “الوحش”.
الساعة كانت 3:14 فجرًا.
الكاميرا صورت باب أوضة آدم.
الباب اتفتح.
خرجت سارة.
مشيت ناحية أوضتنا.
وبعد ثانيتين…
الباب اتفتح مرة تانية.
وخرجت…
سارة.
وقف نفسي.
بصيت جنبى.
سارة كانت بتبكي.
قالت:
“مستحيل…”
الفيديو واضح.
نسختان منها خرجتا من نفس الأوضة.
الأولى دخلت أوضة النوم.
والتانية وقفت قدام سرير آدم.
ثم…
التسجيل شوش فجأة.
ورجع بعد دقيقة كاملة.
الدقيقة دي…
ماكانش فيها أي صورة.
بس كان فيها صوت.
رفعنا الصوت.
في الأول كان مجرد تشويش.
ثم سمعنا صوت طفلة صغيرة.
بتقول:
“ما تسيبوهاش لوحدها.”
ثم صوت راجل خشن رد:
“فات الأوان.”
انتهى التسجيل.
في الليلة نفسها…
رن جرس الباب.
الساعة كانت 11:40.
فتحت.
كان فيه راجل كبير في السن.
شعره أبيض.
ولابس بدلة قديمة.
قال:
“حضرتك أحمد؟”
قلت بحذر:
“أيوه.”
ناولني ظرف أصفر.
وقال:
“أنا كنت شغال نجار.”
“أنا اللي عملت الدولاب ده من واحد وثلاثين سنة.”
حسيت إن قلبي وقع.
قبل ما أسأله أي سؤال…
قال وهو بيبص ناحية البيت:
“كنت مستني اليوم ده من سنين.”
“لأن اللي جوه الدولاب…”
“…مش عمره كان ساكن البيت.”
“…البيت هو اللي اتبنى حواليه.”
وسابني…
ومشى في الضلمة…
من غير ما يلتفت مرة واحدة.
الفصل العاشر: سر الأرض
فضلت واقف عند الباب أبص للرجل لحد ما اختفى في آخر الشارع.
جريت وراه.
لفيت أول ناصية.
ماكانش فيه حد.
شارع كامل…
فاضي.
رجعت البيت وأنا ماسك الظرف الأصفر.
سارة كانت واقفة في الصالة.
وشها مليان خوف.
قالت:
“مين ده؟”
قلت:
“بيقول إنه النجار اللي عمل الدولاب.”
شهقت.
“إزاي؟”
“الدولاب ده موجود من قبل ما أبويا يشتري البيت.”
فتحت الظرف.
كان جواه ورقة قديمة جدًا.
مرسومة بالقلم الرصاص.
خريطة للبيت.
لكن البيت كان مختلف.
مكان أوضة آدم…
كان متعلم عليه بدائرة حمرا.
ومكتوب جنبها:
“الغرفة الأصلية.”
وفي أسفل الورقة جملة قصيرة:
“لو حبيت تنقذ ابنك… احفر تحت الدولاب.”
بصيت لسارة.
قلنا في نفس اللحظة:
“النهارده.”
استنينا لما آدم نام.
أخدناه ينام في أوضة الضيوف.
أنا وسارة دخلنا أوضته.
سحبنا الدولاب بصعوبة.
كان تقيل بشكل غريب.
كأنه متثبت في الأرض.
بعد مجهود طويل…
اتحرك.
وأول ما اتحرك…
ظهر لوح خشبي قديم تحت السجادة.
وفي نصه…
حلقة حديد.
شديناها.
اللوح اترفع.
وتحته…
كان فيه سلم حجري نازل لتحت.
بصيت لسارة.
كانت بتتنفس بسرعة.
قالت:
“إحنا لازم ننزل؟”
رديت:
“بعد اللي شوفناه كله… مفيش رجوع.”
شغلت كشاف الموبايل.
ونزلنا.
كل درجة كانت مليانة تراب.
واضح إن محدش نزل المكان ده من عشرات السنين.
وصلنا لتحت.
كانت أوضة صغيرة مبنية بالطوب.
وفي نصها…
كرسي خشب مكسور.
وصندوق حديد.
فتحت الصندوق.
لقيت جواه ملفات…
وصور…
وجرنال قديم.
أول عنوان وقع عليه نظري كان:
“اختفاء طفلة من المنزل نفسه في ظروف غامضة.”
التاريخ…
قبل خمسة وثلاثين سنة.
اسم الطفلة…
مريم عبدالعال.
كان عمرها…
أربع سنين.
نفس عمر آدم.
قلبت الصفحة.
لقيت صورة الطفلة.
سارة شهقت فجأة.
وقالت وهي بتترعش:
“دي…”
“دي البنت اللي آدم بيرسمها.”
حسيت ببرودة سرت في جسمي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر الملف.
كان فيه خطاب بخط اليد.
بدأ بكلمات:
“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة… فمعنى ذلك أن طفلًا آخر بدأ يراه.”
في اللحظة دي…
انطفأ نور الكشاف.
غرقت الأوضة في ظلام كامل.
ثم سمعنا خطوات بطيئة…
نازلة على السلم.
خطوة…
ثم خطوة…
ثم خطوة…
لكن المشكلة…
إننا إحنا الاتنين كنا بالفعل في أسفل السلم.
وده معناه…
إن فيه شخصًا ثالثًا…
كان بينزل إلينا.
الفصل الحادي عشر: الرسالة الأخيرة
اتجمدنا في مكاننا.
الخطوات كانت بتنزل ببطء…
درجة…
درجة…
درجة.
رفعت كشاف الموبايل وحاولت أشغله تاني.
ولا أي استجابة.
الضلمة كانت كثيفة لدرجة إني بقيت سامع أنفاس سارة أسرع من أي صوت تاني.
همست:
“أحمد…”
“إحنا نطلع.”
لكن قبل ما أرد…
وقفت الخطوات.
بالضبط عند آخر درجة في السلم.
ساد صمت رهيب.
ثم…
صوت طفل صغير.
“بابا…”
صرخت سارة:
“آدم!”
جريت ناحية السلم.
طلعت أول درجة…
والتانية…
والتالتة…
لحد ما وصلت لفتحة الغرفة.
الأوضة فوق كانت فاضية.
آدم ماكانش هناك.
لكن صوته كان لسه بيتردد.
“بابا…”
“أنا هنا.”
كان جاي من كل اتجاه.
كأن البيت كله بينادي.
رجعت بسرعة لسارة.
لقيتها فتحت الخطاب القديم بالموبايل بعد ما شغلت فلاشه.
وقالت:
“اسمع…”
بدأت تقرأ بصوت مرتعش:
“إذا وصلت لهذه الرسالة، فاعرف أن الخوف هو اللي بيخليه أقوى. الأطفال يشوفوا اللي الكبار بيعجزوا عن تفسيره، فيصدقوه، فيكبر الخوف معاهم. لكن الحقيقة مختلفة.”
وقفت لحظة.
وكملت:
“مفيش وحش بيلبس وشوش الناس… لكن فيه شخص استغل خوف الأطفال لسنين طويلة. كان يستخبى في الممر السري تحت البيت، ويطلع ليلًا، ولما الأطفال كانوا يحكوا، محدش كان يصدقهم.”
بصيت لها بذهول.
“يعني…”
قالت:
“كمّل.”
قرأت آخر سطر:
“لو لقيت الرسالة دي، افتح الجدار الغربي… هتلاقي الدليل.”
لفينا ناحية الحيطة الغربية.
كانت مختلفة عن باقي الحيطان.
الطوب فيها أحدث.
بدأت أشيل التراب بإيدي.
بعد دقائق…
ظهر باب حديد صغير.
فتحته بصعوبة.
جواه صندوق بلاستيك محكم الغلق.
طلعته.
فتحته.
كان فيه شريط فيديو قديم…
وصور…
وملفات تحقيق.
وفي أول صورة…
رجل في الخمسينات.
مكتوب تحتها:
“حارس العقار السابق.”
وقبل ما ألحق أقلب باقي الصور…
سمعنا صفارة سيارات الشرطة فوق.
وصوت رجالة بتنادي.
“في حد هنا؟”
طلعت أجري أنا وسارة.
لقينا البيت كله متجمع حواليه.
وأمي واقفة بتحضن آدم.
جريت عليه.
حضنته بكل قوتي.
قلت:
“إنت كويس؟”
هز راسه.
وقال:
“أنا صحيت ملقتكوش.”
“روحت عند تيتة.”
اتنفست لأول مرة من ساعات.
أحد الضباط سألني:
“مين بلغ؟”
أمي قالت:
“في راجل كبير جه خبط على الباب وقال إن فيه ناس تحت البيت ومحتاجين مساعدة… وبعدها اختفى.”
بصيت لسارة.
هي بصتلي.
نفس الراجل…
النجار.
لكن لما سلّمنا الصندوق للشرطة، وبعد مراجعة الملفات، اتضح إن الرجل الموجود في الصور كان مشتبهًا به في اختفاء أطفال منذ عقود، وإن التحقيقات القديمة أُغلقت من غير أدلة كافية.
أما الرجل العجوز الذي سلّمنا الظرف…
فبعد البحث في سجلات الحي، اكتشفنا مفاجأة أخيرة.
النجار الذي بنى ذلك الدولاب…
كان قد توفي…
منذ اثنين وعشرين عامًا.
تمت النهاية.