وجع صامت حكـايـات أسمـا ×1

“بابا… ظهري بيوجعني أوي”: لما رجع البيت اكتشف الحقيقة اللي بنته كانت مخبياها لأسابيع

الجزء الأول

— بابا… ظهري بيوجعني أوي. مش قادرة أشيل عمر تاني.

وصل صوت سارة، ذات السبع سنوات، متقطعًا عبر الهاتف. ثم سُمع صوت ارتطام، يتبعه بكاء خافت لطفل رضيع، وصوت سائل ينسكب على أرضية المطبخ.

— فين ندى؟ يا سارة، ردي عليّ يا حبيبتي.

انقطع الاتصال.

كان أحمد يحضر دورة تدريبية لفرق الإنقاذ في مدينة الإسكندرية، على بُعد نحو أربعين دقيقة من منزله. سبق أن خدم سنوات طويلة في القوات المسلحة، ثم أصبح يعمل في فرق الإنقاذ والطوارئ. كان يعرف جيدًا صوت الخوف، لكنه لم يشعر في حياته بألمٍ في قلبه مثل تلك اللحظة.

غادر المكان فورًا. وكان كلبه الوفي، الراعي الألماني رعد، يرافقه في السيارة لأنه كان ينوي اصطحابه إلى الطبيب البيطري بعد انتهاء الدورة. ومنذ أن انطلقت السيارة، ظل الكلب يحدق في الطريق نحو المنزل، وأذناه منتصبتان ويطلق أنينًا خافتًا.

اتصل أحمد بندى تسع مرات متتالية.

في كل مرة… كان الهاتف مغلقًا.

كانوا يعيشون في أحد المجمعات السكنية الهادئة بالإسكندرية. ومن الخارج بدا كل شيء طبيعيًا؛ أضواء المنزل مضاءة، والحديقة مرتبة، ودراجة سارة الوردية بجوار الباب.

لكن…

كان باب المنزل مفتوحًا.

اندفع رعد مباشرة نحو المطبخ.

كانت سارة جاثية على ركبتيها فوق أرضية مبللة. بيدٍ كانت تمسح الأرض، وباليد الأخرى تحمل شقيقها الرضيع عمر، الذي لم يتجاوز ستة أشهر. كانت شفتاها جافتين، ويداها محمرتين، وعلى كتفها كدمة بنفسجية واضحة.

قالت وهي تحاول الوقوف:

— آسفة يا بابا… لسه ما خلصتش. ندى قالت لو الأرض فضلت وسخة لما ترجع، مش هتدينا عشا.

أخذ أحمد الطفل من بين ذراعيها واحتضن ابنته بقوة.

كانت حرارتها مرتفعة، وجسدها متيبسًا، وكأن مجرد التنفس يسبب لها ألمًا شديدًا.

— من إمتى وإنتِ لوحدك مع عمر؟

— من الصبح. ندى قالت إنها رايحة السوبر ماركت. وبعتتلي رسايل قالتلي أغسل المواعين، وأمسح الأرض، وأغير له الحفاض… وقالت إني بقيت كبيرة.

في المطبخ كانت زجاجة الحليب الصناعي منسكبة، والأطباق مكسورة، ودلو ماء ثقيل بجوار الموقد، وحفاضات متسخة متراكمة.

لم يكن ما حدث مجرد حادث عابر…

بل كان أمرًا يتكرر كل يوم.

وأثناء انتظار سيارة الإسعاف، ظلت سارة تعتذر وهي تبكي.

— عمر زلق مني شوية… ضهري وجعني، وما عرفتش أشيله كويس.

نظر إليها أحمد وقال بصوت هادئ:

— إنتِ مش محتاجة تعتذري… لأنك حاولتي تعملي فوق طاقتك.

في المستشفى، أكدت الطبيبة أن الطفلة تعاني من جفاف شديد، وإرهاق حاد، وإصابات ناتجة عن حمل أوزان وأعمال متكررة لا تناسب عمرها.

أما عمر، فكان هو الآخر مصابًا بالجفاف، ولم يحصل على ما يكفيه من الطعام لساعات طويلة.

قالت الطبيبة بحزم:

— ده مش أسلوب تربية… ده إهمال جسيم.

ظل أحمد بجوار سرير ابنته، بينما تمدد الكلب رعد أمام باب الغرفة كأنه حارس لا يغادر مكانه.

في تمام الساعة 2:18 فجرًا، اهتز هاتفه.

لم تكن رسالة من ندى تسأل فيها عن الطفلين.

بل إشعار من البنك:

“عملية سحب من مركز رويال بيوتي – القاهرة الجديدة: 28,700 جنيه.”

وبعدها بدقائق ظهرت لها قصة على مواقع التواصل الاجتماعي.

كانت ندى تبتسم مرتدية روبًا أبيض، وفي يدها كأس عصير.

وكتبت:

“أخيرًا بعيدًا عن البيت والأولاد… أستحق هذه الراحة.”

نظر أحمد إلى يدي ابنته الملفوفتين بالضمادات.

لم يصرخ…

ولم يحطم هاتفه.

فتح تطبيق كاميرات المراقبة في المنزل، وعاد بالتسجيلات إلى ما قبل واحد وعشرين يومًا.

وفي أول مقطع ظهر أمامه…

كانت ندى تدفع دلو الماء نحو سارة، ثم تقول لها بلهجة تهديد:

— لو قولتي لأبوك أي حاجة… هخليهم ياخدوا أخوكي الصغير ومش هتشوفيه تاني.

—
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

❤️ شكرًا لقراءتكم الجزء الأول من القصة. أما الجزء الثاني والنهاية فقد تم نشرهما في التعليقات. إذا لم تجدوهما، اضغطوا على “عرض جميع التعليقات” وابحثوا عنهما لإكمال القصة.
الفصل الثاني
ظل أحمد يحدق في شاشة الهاتف لثوانٍ طويلة، وكأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.
أعاد المقطع مرة… ثم مرتين… ثم خمس مرات.
في كل مرة كان يسمع صوت ندى بوضوح:
— لو أبوك عرف… هقول إنك إنتِ اللي وقعتي أخوكي، وساعتها الشرطة هتاخده منك.
ارتجفت يداه، لكنه لم يسمح لغضبه أن يسبق عقله.
أغلق الهاتف، ونظر إلى سارة التي كانت نائمة بعد أن أعطاها الأطباء المحاليل والمسكنات. حتى وهي نائمة، كانت تضم ذراعيها إلى صدرها وكأنها تخشى أن يطلب منها أحد حمل عمر مرة أخرى.
اقترب منها وربت على شعرها برفق.
همس:
— خلاص يا بنتي… محدش هيخوفك تاني.
…
في صباح اليوم التالي، عاد أحمد إلى المنزل برفقة اثنين من رجال الشرطة بعد أن حصل على إذن بمعاينة المكان.
ما إن دخل حتى شعر بأن البيت لم يعد بيته.
في غرفة المعيشة كانت ألعاب سارة محشورة داخل صندوق بلاستيكي فوق الدولاب.
أما غرفة الطفلة، فكانت مرتبة بشكل مبالغ فيه.
لكن عندما فتح أحد الأدراج…
وجد شيئًا لم يكن يتوقعه.
دفتر صغير برسومات طفولية.
فتح أول صفحة.
كانت هناك رسمة لأسرة.
رجل طويل مكتوب فوقه “بابا”.
وطفلة تبتسم مكتوب فوقها “أنا”.
وطفل صغير مكتوب عليه “عمر”.
أما المرأة…
فكانت مرسومة بعيدة جدًا عنهم.
وفوقها كلمة واحدة.
“زعلانة.”
قلب الصفحة التالية.
وجد جدولًا مكتوبًا بخط طفولي متعرج.
الساعة 7… تغيير حفاض.
الساعة 8… رضاعة.
الساعة 10… غسل المواعين.
الساعة 12… نوم عمر.
الساعة 2… مسح الأرض.
الساعة 4… غسيل.
وفي آخر الصفحة…
كانت هناك جملة جعلت أحمد يشعر بأن قلبه ينكسر.
“لو خلصت كل الشغل… يمكن ندى تحبني.”
…
بدأ رجال الشرطة يراجعون تسجيلات الكاميرات.
يوماً بعد يوم.
ولم يكن ما وجدوه مجرد إهمال.
بل سلسلة كاملة من الاستغلال.
ندى كانت تخرج لساعات طويلة.
تترك الرضيع مع طفلة في السابعة.
وتطلب منها تنفيذ عشرات الأعمال المنزلية.
وفي إحدى اللقطات…
كان عمر يبكي بشدة.
وسارة تحاول حمله.
لكنها لم تستطع بسبب ألم ظهرها.
فجلست على الأرض تبكي معه وهي تقول:
— استنى يا عمر… أنا بحاول.
…
بعد ساعات، وصلت ندى إلى المنزل.
كانت تحمل عشرات أكياس التسوق.
وما إن رأت سيارة الشرطة حتى تجمدت في مكانها.
حاولت الابتسام.
— خير يا أحمد؟
أشار الضابط إليها.
— مدام ندى… عندنا شوية أسئلة.
ابتسمت بثقة.
— أكيد حصل سوء تفاهم.
لكن أحمد لم ينطق بكلمة.
فتح هاتفه.
وشغل التسجيل.
انطلق صوتها في أرجاء المنزل.
— لو قولتي لأبوك… هخليهم ياخدوا أخوكي.
اختفى لون وجهها.
قالت بسرعة:
— كنت بهزر.
لكن الضابط قال بصرامة:
— الأطفال ما بيتهددوش بالطريقة دي.
…
حاولت تغيير الموضوع.
— هي سارة كذابة… دي عنيدة جدًا.
لكن أحمد أخرج ملفًا آخر.
صور التقطها الأطباء.
الكدمات.
تقارير الجفاف.
إصابة الظهر.
سوء التغذية.
ثم أخرج كشف الحساب البنكي.
خلال ثلاثة أسابيع فقط…
أنفقت أكثر من مئة وثمانين ألف جنيه في مراكز تجميل ومطاعم وفنادق.
بينما كانت تترك طفلين بلا طعام لساعات.
…
صرخت ندى:
— أنا تعبت من البيت!
رد أحمد لأول مرة.
وكان صوته هادئًا بصورة أخافت الجميع.
— التعب مش بيخلي حد يسيب رضيع يجوع.
ولا بيخلي طفلة تبقى أم وهي عندها سبع سنين.
ولا بيخلي واحدة تهدد بنت صغيرة بأخوها.
…
في تلك اللحظة…
اقترب الكلب رعد من ندى.
وقف أمامها مباشرة.
ولم ينبح.
فقط ظل يحدق فيها دون أن يتحرك.
تراجعت للخلف بخوف.
قال أحد الضباط مبتسمًا:
— واضح إنه حافظ كل اللي حصل.
…
في المساء…
عاد أحمد إلى المستشفى.
كانت سارة قد استيقظت.
ابتسمت عندما رأته.
ثم سألته بخوف:
— ندى زعلت مني؟
جلس بجوارها.
وأمسك يدها الصغيرة.
وقال:
— لا يا حبيبتي.
اللي غلط… هو اللي لازم يخاف.
أما إنتِ…
فإنتِ بطلة.
انهمرت دموع سارة لأول مرة دون خوف.
وقالت بصوت مرتجف:
— كنت فاكرة لو قلتلك… هتزعل مني.
احتضنها أحمد بقوة.
وقال:
— أوعدك…
من النهارده مفيش حد هيجبرك تشيلي مسؤولية أكبر منك.
ولا حد هيهددك.
ولا حد هيكسر قلبك تاني.
لكن أحمد لم يكن يعلم أن ما اكتشفه في كاميرات المنزل لم يكن سوى بداية الحقيقة…
لأن أحد الضباط اقترب منه بعد دقائق، وسلمه ظرفًا بنيًا عُثر عليه داخل غرفة ندى.
وقال بهدوء:
— أعتقد… لازم تشوف اللي جواه.
فتح أحمد الظرف.
فتغيرت ملامحه في لحظة.
كانت بداخله شهادات طبية…
وتقارير قديمة…
ورسائل تثبت أن ما حدث مع سارة لم يبدأ قبل واحد وعشرين يومًا كما ظن.
بل كان مستمرًا منذ أكثر من عام كامل…
والأصعب من ذلك…
أن هناك شخصًا آخر كان يعلم بكل شيء، واختار أن يلتزم الصمت.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *