جوزي طلقني حكـايـات أسمـا
“جوزي طلّقني بعد ما عرف إنه مريض سرطان في مرحلته الأخيرة… واتجوز واحدة تانية. لكن بعد دفنه بيوم، خبطت باب بيتي وقالت: «نفذت وصيته… والحقيقة لازم تعرفيها دلوقتي.»”
الجزء الأول
تسعة وتلاتين سنة…
عشتهم مع حسام.
كبرنا سوا.
ضحكنا.
وبكينا.
وربينا ولادنا.
وعدينا بأيام…
كنت فاكرة إنها مستحيل تفرقنا.
لحد اليوم…
اللي الدكتور قال فيه:
— للأسف… المرض وصل للمرحلة الأخيرة.
بصيت لحسام.
ومسكت إيده.
وقلت:
— هنعديها سوا… زي كل مرة.
لكنه سحب إيده من بين صوابعي.
وبص بعيد عني.
وقال بمنتهى البرود:
— لا… أنا مش عايزك تكوني معايا.
افتكرت إنه مصدوم.
لكن اللي قاله بعد كده…
قتلني وأنا عايشة.
قال:
— عايز أقضي آخر أيام عمري… مع الست اللي بحبها.
الدنيا اسودّت في عيني.
افتكرت إنه بيهزر.
لكن بعد أسبوعين…
وصلتني ورقة الطلاق.
وبعدها بثلاث أسابيع بس…
اتجوز زميلته في الشغل.
اسمها نيرمين.
كانت أصغر مني بحوالي عشر سنين.
وأكتر حاجة وجعتني…
إني شفته في صور الفرح…
لابس الكرافتة الزرقا…
اللي أنا اشتريتهاله في عيد جوازنا.
حسيت إنه…
سرق حتى الذكريات.
بعد أربع شهور…
وصلني خبر وفاته.
قعدت أعيط اليوم كله.
لكن…
ماقدرتش أروح الجنازة.
مكنش عندي قوة…
أشوفه بيتدفن.
تاني يوم الصبح…
جرس الباب رن.
فتحت.
اتفاجئت بنيرمين واقفة قدامي.
وشها أصفر.
وعينيها منفوخة من العياط.
وقالت بصوت مكسور:
— لو سمحتي… لازم أتكلم معاكي.
كنت هقفل الباب.
لكن كان في حاجة في نظرتها…
خلتني أسيبها تدخل.
قعدت على طرف الكنبة.
وكانت بتفرك إيديها بتوتر.
وساكتة.
وفجأة…
بصتلي وقالت:
— إنتِ لحد دلوقتي… فاهمة غلط كل اللي عمله حسام.
اتجمدت مكاني.
وقلت:
— تقصدي إيه؟
فتحت شنطتها ببطء.
وطلعت ظرف بني قديم…
كان عليه اسمي…
بخط إيد حسام.
وقالت وهي بتبكي:
— قبل ما يموت… خلاني أوعده إني ما أديكيش الظرف ده… إلا بعد دفنه.
مديت إيدي وأنا برتعش.
ولما لمست الظرف…
حسيت إن قلبي وقف.
لأن تحته…
كان فيه مستند…
عمره ما كان المفروض أوصله…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثاني
إيدي كانت بتترعش…
وأنا بفتح الظرف.
الورقة الأولى…
كانت جواب.
بخط إيد حسام.
الخط اللي كنت أعرفه من أول جواب حب كتبهولي وإحنا في الجامعة.
فتحت الجواب…
وأول سطر خلاني أبكي قبل ما أكمل.
«”سامحيني… لو قدرتي.”»
وقفت القراءة.
وبصيت لنيرمين.
قلت بوجع:
— بعد إيه يا حسام؟
بعد ما كسرتني؟
بعد ما رميت تسعة وتلاتين سنة؟
نيرمين نزلت راسها.
وقالت:
— كملي.
رجعت أقرا.
«”عارف إنك دلوقتي بتكرهيني… ويمكن ده أحسن. لأن ده كان هدفي.”»
حسيت إني مش فاهمة.
كملت.
«”لما الدكتور قالي إن السرطان وصل لمرحلة متأخرة، سألته سؤال واحد… هعيش قد إيه؟ قال لي: شهور قليلة. وسألته سؤال تاني… لو مراتي فضلت معايا للنهاية، هتستحمل اللي هيحصل؟ فسكت.”»
دموعي نزلت على الورقة.
وأنا بكمل.
«”أنا أعرفك. كنتِ هتسيبي شغلك، وصحتك، وحياتك، وتقعدي جنبي لحد آخر نفس. وكنتِ هتفضلي بعدي سنين عايشة على ذكرى راجل مات قدام عينيكي كل يوم.”»
صرخت وأنا برمي الورقة.
— ومن إمتى بقى بتاخد قرارات حياتي لوحدك؟!
نيرمين بكت.
وقالت:
— والله… هو كان بيقول نفس الكلام كل يوم.
مسكت الورقة تاني.
وقريت.
«”علشان كده… خليتك تكرهيني. كنت محتاج أشيل نفسي من قلبك قبل ما الموت يشيلني من الدنيا.”»
قفلت عيني.
وقلت بمرارة:
— كداب…
أنا عمري ما كرهته.
أنا اتوجعت منه.
بس ما كرهتوش.
نيرمين طلعت منديل.
وقالت:
— هو كان عارف.
قلت لها وأنا ببصلها:
— وإنتِ؟
إنتِ كنتِ إيه في كل ده؟
ردت وهي بتمسح دموعها:
— أنا مكنتش مراته بالطريقة اللي إنتِ فاكراها.
اتصدمت.
— يعني إيه؟
قالت:
— الجواز كان حقيقي على الورق…
لكن عمره ما لمس إيدي.
فضل عايش في أوضة…
وأنا في أوضة.
ولما كنت أقوله ليه؟
كان يرد:
“أنا متجوز علشان أنقذ ست ملهاش ذنب.”
أنا كنت مطلقة…
وعندي بنت صغيرة.
وأهلي كانوا هيجبروني أتجوز واحد بيضربني.
حسام عرض عليّ الجواز…
مقابل إني أمثل قدام الناس إننا زوجين.
وأوعده…
إني بعد وفاته أوصل لك الحقيقة.
بصيت لها وأنا مش قادرة أستوعب.
— يعني…
كل الصور؟
قالت بحزن:
— صور قدام الناس وبس.
حتى الفرح…
كان وصية منه.
علشان يوصلك إنه بدأ حياة جديدة…
فتنسيه.
لكن اللي لسه ماكنتش أعرفه…
إن الظرف كان فيه ورقة تانية.
ولما قلبتها…
لقيت تقريرًا طبيًا باسمي.
وتاريخه…
قبل طلاقي من حسام بثلاثة أيام.
فتحت التقرير…
واتغير لون وشي بالكامل.
الفصل الثالث
إيدي كانت بتترعش…
وأنا ببص للتقرير.
كان صادر من مستشفى الأورام.
لكن…
الاسم المكتوب في أعلى الصفحة…
كان اسمي أنا.
شهقت.
وقلت:
— ده… ده تقريري؟!
نيرمين هزت راسها.
— كملي.
بدأت أقرأ.
وفي آخر سطر…
لقيت الجملة اللي قلبت الدنيا:
“المريضة تحتاج إلى فحوصات إضافية لاستبعاد وجود ورم، ولا يمكن تأكيد التشخيص قبل استكمال التحاليل.”
بصيت لنيرمين بعدم فهم.
— يعني إيه؟
قالت وهي بتتنهد:
— قبل ما حسام يعرف إنه مريض… كنتِ إنتِ اللي عملتي التحاليل دي.
افتكرت.
أيوه…
قبلها بفترة كنت بتعب بسرعة.
والدكتور طلب أشعة وتحاليل.
لكن بعدها بأيام…
حسام هو اللي تعب.
والدنيا اتشقلبت.
نسيت أنا أصلًا موضوع التحاليل.
نيرمين كملت:
— حسام راح بنفسه يستلم النتيجة.
وأول ما شاف كلمة “ورم”…
افتكر إنك مريضة بمرض خطير.
قلت بسرعة:
— بس التقرير بيقول إن التشخيص مش مؤكد!
قالت:
— أيوه… لكنه وقتها كان منهار أصلًا بعد ما عرف بمرضه هو.
وفهم التقرير غلط.
وافتكر إن الاتنين هتمرضوا مع بعض.
وكتب في الجواب…
إنه خاف يشوفك بتعاني معاه.
وقبل ما يلحق يرجع للدكتور ويفهم الحقيقة…
كان المرض انتشر أكتر.
وبدأ ياخد قراراته المجنونة.
فتحت آخر صفحة في الظرف.
ولقيت ورقة صغيرة بخط حسام.
«”لما عرفت بعد كده إن تقريرك كان مجرد اشتباه، وإنك سليمة… كنت خلاص كسرت كل الجسور بينا. وكل مرة كنت أفكر أقولك الحقيقة… كنت أبص في وشي في المراية وأقول: خلاص… فات الأوان.”»
دموعي نزلت بغزارة.
وقلت وأنا ببكي:
— ليه يا حسام…؟
ليه ما سألتش الدكتور؟
ليه ما سألتنيش؟
ليه قررت عني؟
نيرمين كانت بتبكي هي كمان.
وقالت:
— في آخر أسبوع…
كان كل يوم يردد نفس الجملة.
“قوليلها إني آسف…
حتى لو عمرها ما سامحتني.”
سكتُّ طويلًا…
ثم سألتها السؤال اللي كان بيحرقني من ساعة ما دخلت.
— وهو…
كان بيحبني لآخر يوم؟
ابتسمت نيرمين وسط دموعها.
وقالت:
— آخر كلمة قالها قبل ما يغمض عينيه كانت…
“خدوا بالكم منها…
دي عمرها ما كانت مجرد مراتي…
دي كانت عمري كله.”
في اللحظة دي…
انهرت تمامًا.
لكن وأنا بجمع الأوراق علشان أحطها في الظرف…
وقع مفتاح صغير على الأرض.
مفتاح قديم…
ومربوط فيه ورقة مكتوب عليها بخط حسام:
“ده مفتاح الأمانات في البنك… واللي جواه هيفهمك كل حاجة كنت مخبيها عنك طول السنين.”
الفصل الرابع
فضلت أبص للمفتاح…
كأني أول مرة أشوفه.
كان مفتاح صغير…
مربوط بسلسلة فضة قديمة.
السلسلة دي…
أنا اللي اشتريتها لحسام من سنين.
بصيت لنيرمين.
وقلت:
— إنتِ تعرفي إيه اللي في الأمانات؟
هزت راسها.
— لا.
كل اللي قالهولي…
“لما تديها المفتاح… دوري انتهى.”
تاني يوم الصبح…
رحت البنك.
كنت ماسكة المفتاح بإيدي…
وقلبي بيدق بطريقة عمره ما دقها قبل كده.
الموظف بص للمفتاح.
وسألني عن البطاقة.
وبعد شوية…
رجع وهو شايل صندوق حديدي صغير.
حطه قدامي.
وقال:
— اتفضلي.
فتحت الصندوق ببطء.
أول حاجة شفتها…
كانت ألبوم صور.
صورنا.
من أول يوم في الجامعة.
يوم كتب الكتاب.
يوم ولادة ابننا الكبير.
رحلاتنا.
وأعياد جوازنا.
كل صورة…
كان مكتوب وراها تاريخ.
وكلمتين من حسام.
“أجمل يوم في حياتي.”
“أول مرة قالتلي بحبك.”
“اليوم اللي حسيت فيه إني أغنى راجل في الدنيا.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
تحت الألبوم…
كان فيه دفتر جلدي أسود.
فتحته.
ولقيته مذكرات.
كان بيكتب فيها من أول يوم عرف إنه مريض.
أول صفحة كانت بتقول:
«”النهارده الدكتور أكدلي الحقيقة… وأنا مش خايف من الموت. أنا خايف عليها هي.”»
قلبت الصفحة.
«”كل يوم بترجع من الشغل تعبانة… ولسه بتضحك علشاني. لو فضلت جنبي هتدمر نفسها وهي بتشوفني بضعف قدامها.”»
وكل ما أقلب صفحة…
أحس إن قلبي بيتقطع أكتر.
لكن في آخر الدفتر…
كانت فيه صفحة مختلفة.
مقفولة بمشبك ورق.
ومكتوب عليها:
“لا تفتحيها إلا بعد ما تعرفي كل الحقيقة.”
فتحتها.
وكان فيها جواب أخير.
«”أنا غلطت… أكبر غلطة في عمري. كنت فاكر إني بحميكي… لكن اكتشفت متأخر إني حرمت نفسي من آخر أيام كان نفسي أعيشها وإنتِ جنبي.”»
«”لو الزمن رجع بيا… كنت همسك إيدك، وأقولك الحقيقة، وأسيبك إنتِ تختاري. لأن الحب عمره ما كان معناه إن واحد يقرر مكان التاني.”»
ماقدرتش أكمل.
قفلت الدفتر.
وأنا بعيط بحرقة.
وفجأة…
لفت نظري ظرف أبيض صغير في آخر الصندوق.
كان مكتوب عليه:
“يُفتح بحضور أولادي فقط.”
وقتها فهمت…
إن حسام لسه سايب رسالة أخيرة…
مش ليا وحدي.
لكن لأولادنا كمان.
ورسالة دي…
كانت كفيلة إنها تغيّر نظرتهم لأبوهم…
ولأمهم…
ولكل اللي حصل في آخر شهور من حياته.
الفصل الخامس
رجعت البيت…
والصندوق في حضني.
فضلت أبص عليه طول الطريق.
مش قادرة أستوعب…
إن بعد وفاة حسام…
لسه بكتشف جوانب منه عمرها ما عرفتها.
اتصلت بولادي.
وقلت لهم:
— عايزاكم تيجوا البيت الليلة… ضروري.
ابني الكبير، كريم، سأل بقلق:
— خير يا أمي؟
قلت:
— هتعرفوا لما تيجوا.
بعد ساعتين…
كانوا قاعدين قدامي.
كريم…
وأخته مريم.
ملامحهم كانت مليانة حزن.
ومن يوم الطلاق…
كان في قسوة مستخبية جواهم ناحية أبوهم.
كريم قال بمرارة:
— بابا اختار الست التانية علينا كلنا.
ومريم قالت وهي بتمسح دموعها:
— حتى آخر مرة شوفته فيها… ما حضناش.
حطيت الظرف قدامهم.
وقلت:
— أبوكم كتب الرسالة دي ليكم.
بصوا لبعض باستغراب.
فتحت الظرف…
وبدأت أقرا بصوت عالي.
«”يا كريم… ويا مريم… يمكن لما تسمعوا الرسالة دي تكونوا كرهتوني. ويمكن تكونوا شايفين إني خنت أمكم وخنتكم. لكن قبل ما تحكموا عليا… اسمعوا للنهاية.”»
سكتُّ لحظة…
وبعدين كملت.
«”أنا عمري ما حبيت غير أمكم. وهي أول وآخر حب في حياتي. وكل يوم بعد الطلاق كنت برجع البيت أبكي… لأن أكتر واحدة كنت محتاجها… هي اللي كنت بمنعها تقرب مني.”»
كريم نزل عينيه.
أما مريم…
فبدأت تبكي.
كملت القراءة.
«”أنا غلطت لما افتكرت إن الوجع ينفع يتعالج بالكذب. كنت فاكر إني لما أخلّيها تكرهني… هتقدر تكمل حياتها بعدي. لكن كل يوم كنت بموت مرتين… مرة من المرض… ومرة من بعدكم.”»
البيت كله سكت.
حتى صوت أنفاسنا…
كان مسموع.
قلبت الصفحة الأخيرة.
ولقيت وصية بخط كبير.
«”أوصيكم… مهما حصل… أوعوا تسيبوا أمكم لوحدها. هي ضحت بعمرها كله علشانكم وعلشاني. ولو في يوم قدرت تسامحوني… يبقى ادعولي. ولو ماقدرتوش… فأنا أستحق.”»
ماقدرتش أكمل.
الورقة وقعت من إيدي.
كريم قام من مكانه…
وقرب مني.
وركع قدامي.
ومسك إيدي.
وقال وهو بيبكي لأول مرة من سنين:
— سامحيني يا أمي…
أنا ظلمتك.
افتكرت إنك إنتِ السبب.
وإنك قصرتي مع بابا.
حضنته بقوة.
وأنا ببكي.
مريم حضنتنا هي كمان.
وبقينا إحنا التلاتة…
بنعيط.
مش على الطلاق.
ولا على المرض.
لكن على الحقيقة…
اللي وصلت متأخرة أوي.
وفي اللحظة دي…
رن جرس الباب.
فتحت.
اتفاجئت بنيرمين واقفة.
وفي إيديها شنطة سفر صغيرة.
ابتسمت بحزن.
وقالت:
— أنا مسافرة النهارده.
لكن قبل ما أمشي…
في حاجة لازم أرجعهالك.
ومدت إيدها…
بخاتم دهب بسيط.
أول ما شوفته…
شهقت.
ده كان دبلة جواز حسام.
الدبلة…
اللي لبستهاله بإيدي…
من تسعة وتلاتين سنة.
وقالت نيرمين وهي تبتسم وسط دموعها:
— يوم كتب كتابنا… قلعها من صباعه وحطها في علبة. وقاللي: “الدبلة دي مكانها مع صاحبتها… مش معايا.”
أنا نفذت آخر وصاياه.
أخدت الدبلة…
وضميتها في كف إيدي.
وحسيت…
إن الراجل اللي وجعني أكتر إنسان في الدنيا…
كان في نفس الوقت…
أكتر إنسان حبني.
لكن الحب…
لما يختلط بالخوف…
ممكن يهدم عمر كامل.
ومن يومها…
كل ما حد كان يسألني:
“سامحتي حسام؟”
كنت أرد بهدوء…
“سامحته…
لكن أتمنى كل زوج وزوجة يتعلموا من حكايتنا…
إن الحقيقة المؤلمة…
أرحم ألف مرة…
من الكذبة اللي متغلفة بحسن النية.”
تمت.