بهتان عظيم حكـايـات أسمـا السيـد ×2
الفصل الخامس
أول ما دخلت…
خبطت الباب وراها بعنف.
وبصت لجوزها وقالت وهي بتصرخ:
“إنت اتجننت؟!”
“جاي تعتذر لهم بعد اللي عملوه فينا؟!”
أبويا رد بهدوء:
“يا مدام… محدش عمل فيكم حاجة.”
لفت ناحيته بسرعة وقالت:
“إنت متتكلمش!”
قبل ما أبويا يرد…
جوزها وقف.
وقال لأول مرة بصوت عالي:
“لا… هو يتكلم.”
كلنا اتفاجئنا.
واضح إن الراجل اللي كان ساكت طول عمره…
وصل لآخره.
قال لها:
“إنتي اللي هتسكتي المرة دي.”
بصتله بعدم تصديق.
وقالت:
“بتعلي صوتك عليا؟”
قال:
“آه.”
“لأول مرة في حياتي.”
“لأن اللي عملتيه عيب.”
صرخت:
“أنا بحافظ على ابني.”
قال:
“لا.”
“إنتي بتحكميه.”
“وبتكسري حياته بإيدك.”
اتحول وشها للون الأحمر.
وقالت:
“أنا أم.”
رد:
“والأم بتربي.”
“مش بتتحكم.”
هي بصت لابنها.
وقالت بعصبية:
“واقف ساكت ليه؟!”
“قولهم إنك مش عايز البنت.”
الشاب رفع عينه ببطء.
وقال:
“أنا… عمري ما قلت إني مش عايزها.”
سكتت.
وكأنها أول مرة تسمعه.
قال:
“أنا كنت عايزها.”
“ولسه…”
“لكن أنا خفت منك.”
أمه شهقت.
وقالت:
“يعني أنا السبب؟!”
قال:
“أيوه.”
“إنتي السبب.”
“كل مرة أحب بنت…”
“تكرهيهالي.”
“كل مرة أقرر آخد خطوة…”
“تخوفيني.”
“وكل مرة أسمع كلامك…”
“أندم.”
الصالون كله سكت.
حتى أمي…
كانت بتبصله باستغراب.
لأنها أول مرة تشوفه بيتكلم.
أمه قالت وهي بترتعش من الغضب:
“أنا عملت كل ده لمصلحتك.”
رد عليها:
“مصلحتي ولا مصلحتك؟”
“إنتي عمرك سألتيني أنا عايز إيه؟”
“ولا كنتي دايمًا تقرري بدالي؟”
جوزها بص لها وقال:
“اسمعيه.”
لكنها زعقت:
“اسكتوا كلكم.”
وبعدين شاورت عليا بإصبعها.
وقالت:
“دي السبب.”
“دي اللي قلبتك عليا.”
وقفت مكاني.
وبصيتلها بهدوء لأول مرة.
وقلت:
“أنا؟”
“أنا حتى ما اتكلمتش معاه بعد ما سيبني.”
“إنتي اللي قلبتيه على نفسه.”
سكتت لحظة.
قلت:
“إنتي دخلتي بيتنا.”
“ولا حد غلط فيكي.”
“ولا قلل منك.”
“لكن أول ما خرجتي…”
“غلطتي في أمي.”
“وفي أبويا.”
“وفي تربيتي.”
“وبعدين طلعتي تشوهي سمعتنا.”
“دلوقتي…”
“مين اللي قليل الأدب؟”
وشها اتغير.
لكنها مردتش.
كملت:
“أنا كنت ممكن أوافق أتناقش.”
“لكن بعد اللي عملتيه…”
“حتى لو ابنك كان آخر راجل في الدنيا…”
“أنا مستحيل أوافق عليه.”
الشاب بصلي بصدمة.
قال:
“يعني خلاص؟”
قلت:
“خلاص.”
“لأن اللي خان مرة…”
“هيخون كل مرة.”
قال بسرعة:
“أنا ما خنتكيش.”
قلت:
“لأ.”
“خونت ثقتي.”
“وسبتني لوحدي.”
“وده عندي أصعب.”
فضل باصص في الأرض.
وأبوه قام وقف.
ومد إيده لأبويا.
وقال:
“سامحنا.”
أبويا صافحه.
وقال:
“ربنا يسامح الجميع.”
لكن قبل ما يمشوا…
أمه وقفت عند الباب.
ولفت ناحيتي.
وقالت بغل:
“إنتي هتندمي.”
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وقلت:
“لا.”
“أنا نجيت.”
خرجوا.
لكن وأنا بقفل الباب…
لمحت حاجة غريبة.
أبوه كان خارج قدام.
وابنه وراه.
أما هي…
فكانت ماشية لوحدها.
ولا واحد فيهم بص لها.
ساعتها بس…
حسيت إن أول مرة في حياتها…
تدوق طعم الوحدة…
اللي كانت بتخلي غيرها يدوقها.
لكن القصة ما انتهتش.
لأن بعد أسبوع واحد فقط…
وصلني اتصال من رقم الشاب.
ولما رديت…
ماكنش هو اللي بيتكلم.
كان أبوه.
والجملة اللي قالها…
خلتني أعرف إن الكارثة الحقيقية…
لسه ما بدأتش.
قال بصوت متوتر:
“تعالي بسرعة…
مراته… أقصد أمه…
عملت مصيبة.”
يتبع…
الفصل السادس
فضلت ماسكة الموبايل…
ومستوعبتش اللي سمعته.
قلت بسرعة:
“فيه إيه؟”
صوت والده كان متوتر.
قال:
“تعالي لو تقدري… الموضوع كبير.”
قلت بحدة:
“بعد اللي حصل… حضرتك مستني إني أجيلكم؟”
سكت ثواني.
وبعدين قال:
“أنا مش بطلب منك ترجعي لابني.”
“أنا بطلب منك تشهدي على الحقيقة.”
قفلت المكالمة.
وقعدت أفكر.
أمي قالت:
“مش هتروحي.”
لكن أبويا قال بهدوء:
“اسمعي الأول.”
بعد ساعة…
ركبت أنا وأبويا العربية.
ولما وصلنا…
اتفاجئت إن البيت مليان ناس.
إخواته…
أعمامه…
وخالاته.
أول ما دخلنا…
لقيت أمه قاعدة على الكنبة.
وشها شاحب.
وأول ما شافتني…
لفت وشها الناحية التانية.
والده قام.
وقال:
“الحمد لله إنك جيتي.”
قلت:
“خير.”
طلع ملف من الدولاب.
وحطه قدام كل الموجودين.
وقال:
“قبل ما حد يتكلم…”
“لازم تعرفوا الحقيقة.”
فتحت الملف.
لقيت صور.
وصور لبنات مختلفات.
وأوراق.
ورسائل مطبوعة.
استغربت.
قلت:
“إيه ده؟”
قال:
“دول البنات اللي ابني اتقدملهم خلال آخر خمس سنين.”
كل الموجودين بصوا لبعض.
فتح أول ظرف.
وقال:
“دي بنت من المنصورة.”
“مراتي قالت إنها قليلة الأصل.”
فتح التاني.
“ودي مهندسة.”
“قالت إنها متكبرة.”
فتح التالت.
“ودي دكتورة.”
“قالت إنها هتسيطر على البيت.”
وبعدين حط إيده على الملف الأخير.
وبصلي.
وقال:
“وده ملفك.”
قلبي دق بعنف.
قال:
“مراتي كتبت فيه كل الملاحظات اللي كانت ناوية تقولها قبل ما تيجي عندكم.”
فتحت الورق.
ولقيت بخط إيدها:
“الأم شخصيتها قوية… خطر.”
“الأب هادئ… ضعيف.”
“البنت متعلمة… هتمشي كلمتها.”
“يفضل رفض الجوازة.”
إيدي بدأت تترعش.
يعني…
قبل ما تدخل بيتنا…
كانت واخدة القرار.
كل الكلام اللي اتقال…
كان مجرد تمثيلية.
بصيت للشاب.
كان باكي.
قال:
“والله أول مرة أشوف الورق ده.”
والده قال:
“أنا لقيته النهارده.”
“كانت مخبياه في الدولاب.”
سكت شوية.
وكمل:
“أنا استحملت سنين.”
“لكن بعد اللي حصل للبنت دي…”
“قررت أكشف كل حاجة.”
أمه قامت واقفة.
وقالت بعصبية:
“آه.”
“أنا اللي كتبت.”
“وأنا مش ندمانة.”
“ابني يستحق أحسن منها.”
ابتسمت.
لأول مرة…
ماحسيتش بالقهر.
بالعكس.
حسيت براحة.
قلت لها بهدوء:
“شكراً.”
بصتلي باستغراب.
قلت:
“لأنك أثبتِّ قدام الكل إن المشكلة ماكنتش فينا.”
“كانت فيكي.”
البيت كله سكت.
واحدة من قرايبهم قالت:
“يعني كل مرة كنا بنصدقك…”
“وإنتي السبب؟”
واحدة تانية قالت:
“كم بنت ظلمتيها؟”
ابنها بص لها.
وعينه مليانة دموع.
وقال:
“إنتي دمرتي حياتي.”
“كل مرة كنت أفتكر إن البنات هما المشكلة.”
“لكن الحقيقة…”
“إني كنت بخاف أقولك لأ.”
ولأول مرة…
أمه ماعرفتش ترد.
قعدت على الكرسي.
وحطت إيديها على وشها.
لكنها ما اعتذرتش.
ولا قالت إنها غلطت.
خرجت أنا وأبويا من البيت.
وفي الطريق…
قال لي:
“دلوقتي ارتحتي؟”
بصيت من شباك العربية.
وقلت:
“ارتحت إن الحقيقة ظهرت.”
“لكن اللي اتكسر جوايا…”
“مش هيرجع.”
هز رأسه وقال:
“وربنا هيعوضك بالأحسن.”
وأنا كنت فاكرة إن دي آخر مرة هشوفهم…
لكن بعد ثلاثة أيام فقط…
لقيت عربية فاخرة واقفة قدام بيتنا.
ونزل منها شخص ماعرفوش.
سأل عني بالاسم.
وقال جملة خلتني أعرف…
إن اللي حصل معايا كان مجرد بداية…
وإن فيه سر قديم يخص عيلة الشاب…
هيقلب كل الموازين.
يتبع…
الفصل السابع
وقفت في البلكونة…
وأنا ببص للعربية السودا اللي واقفة تحت البيت.
نزل منها راجل شكله في أواخر الخمسينات.
بدلة شيك…
وشعره كله أبيض.
لكن ملامحه كانت هادية.
طلع السلم…
وخبط الباب.
أبويا فتح.
الراجل قال باحترام:
“حضرتك الأستاذ محمود؟”
أبويا هز راسه.
قال:
“اتفضل.”
دخل وقعد.
وبصلي وقال:
“حضرتك… صاحبة الموضوع؟”
قلت:
“أيوه.”
طلع كارت من جيبه.
وقال:
“أنا محامي الأسرة.”
استغربنا كلنا.
قلت:
“أسرة مين؟”
قال:
“أسرة الشاب.”
أمي قامت من مكانها وقالت بضيق:
“إحنا قفلنا الموضوع.”
ابتسم وقال:
“أنا مش جاي أرجع الجوازة.”
“أنا جاي أقول الحقيقة.”
بصينا لبعض.
قال:
“بعد اللي حصل…”
“والد الشاب قرر ينفصل عن زوجته.”
شهقت أمه.
قلت:
“إيه؟”
قال:
“بعد أكتر من خمسة وثلاثين سنة جواز.”
سكت لحظة.
وكمل:
“وقال جملة واحدة…”
“أنا اكتشفت إني كنت سايب بيتي يضيع وأنا ساكت.”
افتكرت أبويا.
افتكرت هدوءه.
وفرقت جدًا بين الاتنين.
المحامي كمل:
“والد الشاب كلفني أوصل لحضرتكم اعتذار رسمي.”
ومد ظرف.
فتحه أبويا.
كان فيه خطاب مكتوب بخط إيده.
قرأه بصوت هادي.
“إلى الأستاذ محمود وأسرته…
أعتذر لكم عن كل إساءة صدرت من بيتي.
وأشهد أمام الله أنكم أهل احترام.
وأن زوجتي ظلمتكم كما ظلمت غيركم.
وأشهد أن ابني أخطأ حين سكت.
وأشهد أنكم خرجتم من هذه المحنة مرفوعي الرأس.”
أمي نزلت دموعها.
مش علشان الاعتذار.
لكن لأن حقها أخيرًا رجع.
المحامي قال:
“فيه حاجة كمان.”
طلع فلاشة صغيرة.
وقال:
“دي فيها تسجيل لكل اللي حصل بعد ما رجعوا من عندكم.”
استغربت.
قلت:
“تسجيل؟”
قال:
“كاميرات البيت.”
فتحنا التسجيل على اللاب.
ظهر الشاب أول ما دخل.
كان بيقول لأمه:
“البنت محترمة.”
“وأهلها ناس محترمين.”
لكن أمه صرخت فيه.
وقالت:
“لو اتجوزتها…”
“اعتبرني مت.”
وبعدين قالت الجملة اللي خلّت الكل يسكت.
“أنا مش هسمح لواحدة أمها بتعرف تتكلم تتحكم في ابني.”
وقتها…
والده دخل في الفيديو.
وقال لها:
“إنتي غلط.”
لكنها ردت:
“اسكت.”
“طول عمرك ساكت.”
“وهتفضل ساكت.”
الفيديو انتهى.
أبويا قفل اللاب.
وقال بهدوء:
“الحمد لله.”
بصيت له باستغراب.
قال:
“الحمد لله إن بنتي ما دخلتش البيت ده.”
بعد يومين…
الخبر انتشر بين القرايب.
الناس اللي كانت بتتكلم علينا…
بدأت تعتذر.
واحدة قالت:
“إحنا ظلمناكم.”
واحد تاني قال:
“طلع العيب مش فيكم.”
لكن كنت اكتشفت حاجة مهمة.
سمعة الإنسان…
بتحتاج سنين علشان تتبني.
لكن إشاعة واحدة…
كفاية تهدها.
وفي مساء نفس اليوم…
وصلتني رسالة من رقمه.
“أنا مش بطلب منك ترجعي.”
“أنا بطلب منك تسامحيني.”
بصيت للرسالة.
فضلت دقيقة كاملة.
وبعدين كتبت:
“أنا مسامحاك.”
“لكن التسامح غير الرجوع.”
“ربنا يرزقك الشجاعة اللي ماكانتش عندك.”
وعملت حظر للرقم.
قفلت الصفحة دي من حياتي.
أو على الأقل…
كنت فاكرة إنها اتقفلت.
لكن بعد شهر كامل…
وأنا راجعة من الشغل…
اتفاجئت بيه واقف قدام باب الشركة.
ماكنش لوحده…
كان معاه أمه.
لكن المرة دي…
شكلها كان مختلف تمامًا.
وشها مرهق…
وعينيها مليانة دموع.
وأول ما شافتني…
عملت حاجة…
ولا واحد في الشارع كله كان يتوقعها.
يتبع…
الفصل الثامن
وقفت مكاني…
وأنا مش مصدقة اللي شايفاه.
أمه…
الست اللي كانت شايفة نفسها عمرها ما تغلط…
وقفت قدامي.
وفجأة…
مدت إيديها ناحيتي.
وقالت بصوت واطي:
“ممكن نتكلم؟”
بصيت لها ثواني.
وقلت ببرود:
“مفيش بينا كلام.”
قالت وهي بتحاول تمسك دموعها:
“أرجوكي… خمس دقايق.”
كنت همشي.
لكن فضولي خلاني أقف.
وقفنا بعيد عن باب الشركة.
وابنها كان واقف على بعد كام متر…
وشه كله توتر.
بصتلي وقالت:
“أنا غلطت.”
استنيت تكمل.
لكنها سكتت.
قلت:
“بس؟”
قالت:
“أنا جيت أعتذر.”
قلت:
“اعتذار على إيه؟”
بصت في الأرض.
وقالت:
“على كل كلمة قولتها.”
“وعلى كل ظلم ظلمتهولك.”
“ولأهلك.”
قلت:
“وده حصل فجأة؟”
رفعت عينيها.
وقالت:
“لأن ربنا وراني اللي كنت بعمله.”
استغربت.
قلت:
“إزاي؟”
تنهدت.
وقالت:
“ابني ساب البيت.”
“وأبوه رفع عليا قضية طلاق.”
“وأختي بطلت تكلمني.”
“وأخويا قالي إنه عمره ما كان راضي عن تصرفاتي.”
“ولقيت نفسي لوحدي.”
سكتت لحظة.
وقالت:
“لأول مرة اكتشفت إني كنت بخسر الناس واحدة واحدة… وأنا فاكرة إني صح.”
بصيت لها.
ماشمّتتش فيها.
لكن برضه…
وجعي ماكانش راح.
قلت:
“حضرتك عارفة أنا عشت إيه؟”
هزت راسها بالنفي.
قلت:
“أنا في أسبوع واحد…”
“سمعتي اتكلم عليها.”
“أهلي اتهانوا.”
“وناس كانت بتبصلي وكأني أنا اللي عملت مصيبة.”
“كل ده بسبب كلمة منك.”
دموعها نزلت.
وقالت:
“أنا عارفة.”
قلت:
“لا.”
“حضرتك عرفتي بعد ما الدور جه عليكي.”
“لكن يوم ما كنتي بتوجعي غيرك…”
“ماحسيتيش.”
في اللحظة دي…
ابنها قرب.
وقال:
“ماما…”
لفت له.
قال:
“خلاص.”
“سيبيها.”
بصتله.
وقالت:
“أنا ضيعتك.”
قال بهدوء:
“أيوه.”
“بس أنا كمان ضيعت نفسي.”
ولأول مرة…
لقيته بيتكلم بثبات.
بصلي وقال:
“أنا مش جاي أطلب فرصة.”
“ولا جاي أرجع.”
“أنا جاي أقولك إنك كنتي صح.”
“الراجل اللي مايعرفش يحمي اللي بيحبها…”
“مايستحقهاش.”
الكلمة دي…
كنت مستنياها من يوم ما بعت الرسالة.
لكن الغريب…
لما سمعتها…
ماحستش بأي فرحة.
حسيت إن كل حاجة انتهت.
ابتسمت ابتسامة هادية.
وقلت:
“أتمنى تكون اتعلمت الدرس.”
مد إيده يصافحني.
بصيت لإيده ثواني.
وصافحته.
وقلت:
“أنا مسامحة.”
“لكن كل واحد فينا يكمل طريقه.”
هز راسه.
وقال:
“ربنا يسعدك.”
لف هو وأمه ومشيوا.
فضلت واقفة أبص عليهم.
وفجأة…
لقيت مدير الشركة خارج من الباب.
كان متابع الموقف من بعيد.
قرب مني.
وقال:
“واضح إنك مريتي بأيام صعبة.”
ابتسمت.
وقلت:
“الحمد لله.”
قال:
“النهارده جالنا عقد كبير.”
“ومحتاجين حد أمين يديره.”
“وأنا رشحتك.”
اتصدمت.
قلت:
“أنا؟”
ابتسم.
وقال:
“لأن السمعة الحقيقية…”
“بيشهد بيها اللي اشتغلوا معاكي.”
“مش اللي اتكلموا عليكي.”
وفي اللحظة دي…
افتكرت كلام أبويا.
“سمعة الإنسان بأفعاله… مش بكلام الناس.”
عرفت ساعتها…
إن ربنا رد اعتباري…
بطريقته.
لكن بعد ستة شهور…
وأنا بدأت أنسى كل اللي فات…
وصلني خبر عن الشاب…
خلاني أقف مكاني من الصدمة.
خبر…
ماكنتش أتخيل إنه يحصل أبدًا.
يتبع…الفصل التاسع
عدى ست شهور…
حياتي بدأت ترجع لطبيعتها.
رجعت أضحك.
أشتغل.
وأخرج مع صحابي.
وبقيت كل ما أفتكر اللي حصل…
أقول:
“الحمد لله إنها انتهت قبل الجواز.”
في يوم…
وأنا قاعدة في المكتب.
الموبايل رن.
كانت دينا.
أول ما رديت…
قالت بسرعة:
“إنتي سمعتي؟”
قلت:
“خير؟”
قالت:
“هو اتعرض لحادث.”
اتجمدت.
قلت:
“حادث إيه؟”
قالت:
“عربيته اتقلبت وهو راجع من الشغل.”
قلبي انقبض…
رغم كل اللي حصل.
سألتها بسرعة:
“هو كويس؟”
قالت:
“الحمد لله.
إصابات بسيطة.
بس اللي حصل بعد الحادث هو اللي قلب الدنيا.”
استغربت.
قلت:
“إيه اللي حصل؟”
قالت:
“لما خرج من المستشفى…
قرر يسيب بيت أهله نهائي.”
قفلت المكالمة…
وقعدت أفكر.
مش شماتة…
ولا فرحة.
لكن حسيت إنه أخيرًا بدأ ياخد القرار اللي كان المفروض ياخده من زمان.
بعد يومين…
بالصدفة قابلت خالته.
أول ما شافتني…
ابتسمت.
وقالت:
“ربنا يعوضك يا بنتي.”
قلت:
“الحمد لله.”
قالت:
“تعرفي ابن أختي قال إيه بعد الحادث؟”
هزيت راسي.
قالت:
“قال لو كنت راجل من الأول…
مكنتش خسرت البنت الوحيدة اللي حبتني بجد.”
سكتت شوية.
وأضافت:
“ولأول مرة…
رفض يرجع البيت.”
“استأجر شقة لوحده.”
“وقال لأبوه:
أنا هبدأ حياتي من جديد.”
قلت بهدوء:
“ربنا يوفقه.”
بصتلي باستغراب.
وقالت:
“إنتي مش زعلانة منه؟”
ابتسمت.
وقلت:
“كنت زعلانة.
لكن الزعل له عمر.”
“إنما اللي عاشه…
هو نتيجة اختياراته.”
بعد أسبوع…
كنت راجعة من الشغل.
ولقيت عربية واقفة قدام بيتنا.
نزل منها والده.
أول ما شفته…
رحبت بيه.
دخل وقعد مع أبويا.
وبعد شوية قال:
“أنا جيت أقولكم حاجة.”
كلنا سكتنا.
قال:
“ابني طلب مني أبلغكم…
إنه مش هيحاول يتواصل معاها تاني.”
وبص ناحيتي.
وقال:
“وقال كمان…
قولها تدعيلي.
يمكن ربنا يسامحني على كسري لقلبها.”
نزلت عيني للأرض.
وقلت:
“ربنا يسامح الجميع.”
ابتسم الرجل بحزن.
وقال:
“كنت أتمنى تكوني بنتي.”
رد أبويا بابتسامة هادئة:
“البنات رزق…
وربنا كتب لكل واحد نصيبه.”
قام وهو يتمتم:
“صدق.”
وقبل ما يمشي…
لف ناحيتي وقال:
“في حاجة أخيرة.”
“ابني كتب جواب…
وقال إنه مش هيسلمه غير لو وافقتي تقريه.”
بصيت للظرف اللي في إيده.
كان مقفول.
وفيه اسمي بخط إيده.
فضلت باصة له ثواني.
كل الذكريات رجعت في لحظة.
أول رسالة حب…
وأول وعد…
وآخر رسالة كسرتني.
مد والده الظرف ناحيتي.
لكن قبل ما ألمسه…
قلت:
“حضرتك…”
“احتفظ بيه.”
اتصدم.
قال:
“مش هتقريه؟”
هزيت راسي بابتسامة هادئة.
وقلت:
“فيه رسائل لو اتفتحت…
هترجع وجع دفناه.”
“وأنا تعبت لحد ما اتعافيت.”
“ومش هرجع أفتح باب قفلته بإيدي.”
ابتسم أبويا بفخر.
وأمي دموعها نزلت وهي ساكتة.
أما والده…
فأخذ الظرف مرة تانية…
وقال وهو خارج:
“يمكن دي تكون أقسى رسالة هترجع لابني.”
خرج من البيت…
والظرف ما زال في إيده.
وأنا وقفت في البلكونة أبص للشارع.
ولأول مرة من يوم ما بدأت الحكاية…
حسيت إن قلبي خفيف.
وإن النهاية الحقيقية…
مش إن الشخص اللي ظلمك يرجع.
لكن إنك تبطل تستناه.
يتبع…
الفصل العاشر
عدى حوالي سنة…
وساعتها كنت خلاص بقيت شخص تاني.
الوجع علمني.
والخذلان قوّاني.
ويمكن لأول مرة في حياتي…
بقيت أعرف إن كرامتي أهم من أي قصة حب.
في يوم…
كنت في فرح بنت عمتي.
القاعة كلها زحمة…
والناس بتضحك.
وأنا قاعدة مع قرايبي.
فجأة…
لقيت همس بين البنات.
واحدة قالت:
“ده هو.”
رفعت عيني.
ولقيته داخل.
لابس بدلة سودا.
وشكله اتغير جدًا.
خس…
وشعره بقى فيه خصل بيضا.
كان باين عليه إنه شاف أيام صعبة.
أول ما عينه جت في عيني…
وقف مكانه.
لكن المرة دي…
لا أنا خبيت وشي…
ولا هو قرب.
كل واحد كمل مكانه.
بعد شوية…
اتفاجئت بوالده بيقرب من أبويا.
وسلم عليه بحرارة.
وقال:
“عامل إيه يا أستاذ محمود؟”
أبويا صافحه بكل احترام.
وقال:
“الحمد لله.”
قعدوا يتكلموا شوية.
أما أنا…
فخرجت الجنينة علشان آخد نفس.
بعد دقايق…
سمعت صوته ورايا.
قال:
“ممكن دقيقة؟”
لفيت.
وقلت:
“اتفضل.”
وقف على مسافة محترمة.
وقال:
“أنا وعدتك إني مش هضايقك.”
“وده آخر كلام بينا.”
هزيت راسي.
قال:
“أنا اتعلمت الدرس…
بس بعد ما خسرت كل حاجة.”
ابتسمت بهدوء.
وقلت:
“كلنا بنتعلم.”
قال:
“أنا اتجوزت.”
اتصدمت للحظة.
لكني ابتسمت.
وقلت:
“ربنا يسعدك.”
ابتسم ابتسامة باهتة.
وقال:
“الجواز مكملش.”
سكت.
وأضاف:
“لأن نفس اللي حصل معاكي…
حصل معاها.”
بصيتله باستغراب.
قال:
“أمي تدخلت في كل حاجة.”
“وفي الآخر مراتي طلبت الطلاق.”
“وقالتلي نفس الجملة اللي قولتيهالي.”
ابتسمت بحزن.
وقلت:
“واضح إنك فهمت معناها متأخر.”
هز راسه.
وقال:
“متأخر جدًا.”
في اللحظة دي…
جت واحدة صغيرة تجري عليه.
شكلها عندها خمس سنين.
وقالت:
“عمو… بابا بينادي عليك.”
حضنها وهو بيضحك.
ولما جريّت…
بصلي وقال:
“دي بنت أخويا.”
“بتفكرني كل يوم إن البيت كان ممكن يبقى مليان ضحك…
لو كنت عرفت أحافظ على اللي بحبه.”
ما رديتش.
لأن مفيش كلام هيغير الماضي.
وقبل ما يمشي…
قال:
“أنا بدعيلك كل يوم.”
قلت:
“وأنا بدعيلك ربنا يصلح حالك.”
مد إيده.
صافحته.
وبعدين كل واحد فينا مشي في طريق.
رجعت القاعة.
لقيت أمي مستنياني.
ابتسمت وقالت:
“خلص الكلام؟”
قلت:
“خلص.”
قالت:
“وقلبك؟”
ابتسمت.
وقلت:
“قلبي خلص من زمان.”
حضنتني.
وقالت:
“الحمد لله.”
بعدها بشهور…
ربنا رزقني بإنسان محترم.
أول مرة جه يتقدم…
دخل بيتنا.
ولما أمي ردت على سؤال سأله…
ابتسم وقال:
“واضح إن الحاجة صاحبة رأي.”
أمي ضحكت وقالت:
“بقول اللي عندي بس.”
قال وهو بيبص لأبويا:
“وده شيء يحترم.”
أبويا ابتسم.
وقال:
“إحنا في بيتنا بنتشاور.”
رد الراجل فورًا:
“وده بالظبط البيت اللي كنت بدور عليه.”
بصيت لأمي.
افتكرت اليوم اللي حد وصفها فيه إنها “مسترجلة”.
وساعتها أدركت…
إن نفس الصفة…
اللي شخص شافها عيب…
شخص تاني شافها احترام.
لأن المشكلة…
ماكنتش في أمي.
ولا في أبويا.
ولا فيا.
المشكلة كانت في العيون…
اللي كانت بتبص لنا.
وأنا بكتب حكايتي دي…
عرفت إن ربنا لما بيبعد عنك شخص…
مش دايمًا بيكون عقاب.
أوقات كتير…
بيكون أكبر نجاة.
تمت.