جوزي مسافر روماني مكرم ×2
سعاد فضلت قاعدة مكانها على السرير، التليفون في إيدها زي حتة الثلج، وصوت قفل السكة لسه بيرن في ودنها زي ضرب المدافع. شافت الغوايش الدهب اللي في إيدها، فجأة حسّت بقرف وخوف، وبدأت تخلعهم بسرعة وهي بتعيط وهتتجنن:
* “مين اللي وصّلك الكلام يا مدحت؟ أم محمد؟ لا.. أم محمد كانت قاعدة في الصالة ومشت قبل ما صباح تيجي بـخمس دقائق! مين اللي سمعني؟ ومين المرسل اللي خرب بيتي ده؟”
كانت سعاد فاكرة إنها تقدر تتبلى على صباح أو تطلع جارتها كدابة، لكن اللي مكنتش تعرفه إن السهم خرج من بيتها هي.. ومن أقرب الناس ليها!
في نفس اللحظة، في الحارة الضيقة، كان الخبط على باب صباح لسه مستمر. نورا قامت فتحت الباب، ولقت قدامها “منة” بنت خالتها سعاد، واقفة وشها أحمر وعينيها منفوخة من العياط.
صباح رفعت راسها المخنوقة بالدموع وقالت باستغراب:
* “منة؟ تعالي يا بنتي.. في إيه؟ أمك جرى لها حاجة؟”
منة جريت على خالتها صباح، رمت نفسها في حضنها وقعدت تعيط بحرقة:
* “سامحيني يا خالتي.. سامحيني أنا السبب في اللي حصل، بس والله ما قدرت أشوف دموعك وكسرة قلبك وأسكت!”
صباح طبطبت عليها وهي مش فاهمة:
* “مسامحاكي على إيه يا بنتي؟ أنتي مالك ومال اللي حصل؟”
منة رفعت راسها وقالت بصوت بيترعش:
* “أنا اللي كلمت بابا في أستراليا يا خالتي.. أنا ‘المرسل’ اللي حكيتله كل حاجة!”
### المواجهة الصادمة
اللقطة رجعت لورا بساعة واحدة.. في شقة سعاد الواسعة.
منة كانت قاعدة في أوضتها بتذاكر، وسامعة كل تفاصيل الحوار اللي دار بين أمها وخالتها صباح. شافت من ورا الباب كسرة خالتها، وسامعت أمها وهي بتعايرها بفقرها وبتقول لها “هما 750 جنيه ومش طالعين تاني”.
البنت مأستحملتش الظلم، وخصوصاً إنها عارفة إن باباها مدحت راجل طيب وبيحب الخير. أول ما صباح خرجت والدموع مغمية عينيها، منة دخلت أوضتها وقررت تكسر حاجز الخوف. مسكت تليفونها وطلبت رقم باباها الدولي في أستراليا.
مدحت رد بلهفة:
* “أهلاً يا منة يا حبيبتي، عاملة إيه في دراستك؟”
منة انفجرت في العياط:
* “مش كويسة يا بابا.. أنا تعبانة ومكسوفة من نفسي ومن بيتنا.. أنا بكلمك عشان أقولك الحقيقة اللي أمي مخبياها عنك بقالها سنة!”
مدحت اتخض وقعد على حيله:
* “حقيقة إيه يا بنتي؟ خضيتيني، في إيه؟”
منة حكت له كل حاجة بنبرة تتقطع لها القلوب:
* “بابا.. أنت مش كل شهر بتبعت 2000 دولار وبتقول لأمي إدي لخالتي صباح 5000 جنيه منها عشان نورا وعشان ظروفهم؟ أمي كانت بتضحك عليك وبتدلها 750 جنيه بس! والنهاردة خالتي جت وكان وشها في الأرض وبتطلب زيادة عشان دروس نورا في الثانوية العامة، أمي هزأتها وعايرتها بفقرها، وقالت لها هما الـ 750 جنيه، ومادام اتكلمتي مفيش مليم داخل لك تاني وطردتها! أمي بتاخد الفلوس تشتري بيها دهب وتكنزه، وأختها مش لاقية ثمن الملازم يا بابا!”
مدحت الصدمة لجمت لسانه، حَس إن الأرض بتهد فوق دماغه، وسأل بصوت مرعوب من البشاعة:
* “أنتي متأكدة من الكلام ده يا منة؟ أمك تعمل كدة في أختها الشقيانة؟ وتغشني أنا؟”
منة عيطت وقالت:
* “والله يا بابا ده اللي حصل، وأنا واقفة وسمعتهم بحرف الحرف.. أنا مكنتش هقدر أعيش في البيت ده وأنا شايفة الظلم ده كله وباسكت عليه.”
### العاصفة تبدأ
نزل الكلام على مدحت زي الصاعقة. هو اللي شقيان في الغربة، بيشتغل ليل مع نهار في أستراليا عشان يستر بيته ويستر أخت مراته اليتيمة، تطلع مراته وأم عياله بالخسة دي؟ في ثواني، قفل مع بنته وطلب سعاد.. وهو ده السر في المكالمة اللي قلبت كيان سعاد!
نرجع للحارة.. صباح بصت لـ منة وهي مش مصدقة، وقالت بصدمة:
* “يعني عمك مدحت كان بيبعتلي 5000 جنيه كل شهر يا منة؟ وأمك كانت بتاكلهم وتديني الفتات؟”
منة هزت راسها بالوجب والدموع في عينيها:
* “أيوا يا خالتي.. بابا كان فاكر إنه شايل حملكم، وأمي هي اللي كانت بتداري وتكدب وتقولك ‘ده من خيري ومن جيبي’. بابا اتقهر لما عرف، وحلف ليرجعلك حقك بالمليم.”
صباح قعدت على الكنبة القديمة، ونظرت للسقف وهي بتقول بنبرة مخلوطة بالوجع والذهول:
* “يااااه يا سعاد! تاكلي مال النبي يّتم؟ ده أنا كنت بدعيلك وبقول لولا الـ 750 جنيه بتوع سعاد كنا ضعنا.. تطلعي بتاكلي حقي وحق بنتي اليتيمة اللي من دمك ولحمك؟”
وفي تلك اللحظة، رن تليفون صباح.. كان الرقم الدولي بتاع مدحت من أستراليا. صباح إيدها كانت بترتعش وهي بتفتح الخط:
* “ألو.. السلام عليكم يا أبو العيال.”
جاءها صوت مدحت مليان خجل وأسف وكَسرة:
* “سامحيني يا أم نورا.. حقك فوق راسي يا أختي، والله ما كنت أعرف، أنا اتمخمضت في الغربة ومكنتش متخيل إن القربى تظلم.. من الثواني دي، الـ 5000 جنيه بتوع كل شهر هيوصلوا ليكي لحد باب بيتك من غير ما تشوفي وش سعاد، ومصاريف نورا للثانوية والجامعة كلها عليا أنا.. اعتبريني مكان المرحوم وجزمتك فوق راسي.”
صباح بكت، بس المرة دي دموع كرامة وعدل:
* “كتر خيرك يا أصيل.. ربنا يجبر بخاطرك وينصرك في غربتك.. أنت مالكش ذنب يا ابن الأصول.”
في الشقة الراقية، كانت سعاد قاعدة زي المجنونة، بنتها منة مرجعتش البيت، وعرفت إن بنتها هي اللي كشفتها وباعت سرها لأبوها. الغل والخوف عمى عينيها، وبقت تتوعد وتصرخ في الصالة الفاضية.. لكن الخوف الأكبر كان من اللي جاي، لأن مدحت مسبهاش، وبعتلها رسالة على الواتساب فيها سطر واحد:
(الدهب اللي لميتيه من دم اليتيمة.. جه الوقت اللي هتدفعي تمنه غالي يا سعاد).
#الكاتب_رومانى_مكرم
يا ترى مدحت ناوي يعمل إيه في سعاد والدهب اللي حوشته؟ وهل سعاد هتحاول تنتقم من بنتها منة ومن أختها صباح؟
الخيوط بدأت تشتد، والعدالة بدأت تظهر.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تبعوها
### الجزء الرابع: غليان الحقد
خرجت “منة” من البيت، والخطوط اتطربقت فوق دماغ “سعاد”. قعدت في الصالة الواسعة والغل بياكل في قلبها زي النار. مبقتش شايفة إنها غلطانة، ولا فكرت في حق أختها الأرملة ولا اليتيمة اللي كلت حقها.. كل اللي كان مسيطر على عقلها هو الحقد والغل.
بصت لسقف الشقة وهي بتنهج من العصبية وقالت بنبرة مليانة سم:
* “بقى حتة الجربوعة دي.. صباح الشقيانة اللي بتلف على البيوت، تقلب عليا جوزي؟ وتخرب بيتي؟ وبنتي أنا.. بطني اللي شيلتها تسع شهور، تبيعني وتعمل عليا قاضية عشان خاطر خالتها؟! ماشي يا صباح.. والله ما هسيبك تتهني بمليم واحد من فلوس مدحت.”
مسكت سعاد تليفونها وطلبت رقم جوزها مدحت في أستراليا وهي ناوية على الشر وعايزة تقلب التربيزة وتتصدى للحقيقة بالبجاحة. أول ما فتح الخط، صرخت فيه من غير مقدمات:
* “أنت بتصدق عليا العيال يا مدحت؟! بتصدق البت وتيجي عليا عشان خاطر صباح وبنتها؟ جرى لك إيه في الغربة؟ أختي إيه واليتيمة إيه اللي هتاخد 5000 جنيه كل شهر؟! دي بلد بحالها عايشة بـ 5000 جنيه، تروح تديهم لصباح في حارة ضيقة ليه؟ هتعمل بيهم إيه؟!”
مدحت رد بصوت هادي من كتر القرف والذهول:
* “أنتي لسه فيكي نفس تجادلي وتصيحي يا سعاد؟ أنتي معندكيش دم؟ دي أختك الكبيرة اللي جوزها مات ومبقاش ليها سند.. والـ 5000 جنيه دول أنا اللي شقيان بيهم وتعبان، مش طالعين من جيبك!”
سعاد لوّت بوزها وردت بحقد أعمى:
* “لا من جيبي ومن قوت عيالي! القرش اللي يخرج برة البيت، عيالي أولى بيه. صباح دي طول عمرها عينيها فارغة وبتحسدني على العز اللي أنا فيه. كانت بتجيلي البيت وعينيها على الغوايش والستائر والشقة الشرح.. ودلوقتي بنتها نورا عايزة تخش ثانوية عامة وتعمل فيها دكتورة؟ دكتورة على إيه؟ وأمها بتغسل البلاط في البيوت؟! هي المقامات جرى لها إيه في الدنيا؟!”
مدحت صرخ فيها بعصبية هزت الخط:
* “اخرسي يا سعاد! قسماً بالله أنا مبقتش طايق أسمع صوتك. المقامات عند ربنا بالقلوب النظيفة، مش بالدهب اللي أنتي شحتاه من عرق جبيني وتعايري بيه الناس. صباح وبنتها برقبتك.. وفلوسهم هتوصلهم يعني هتوصلهم، وأنتي مالكيش كلمة عليا.”
سعاد زعقت بأعلى صوتها:
* “مش هتوصل! أنا مش هسمح لصباح ترفع راسها عليا وتتمنظر بفلوس جوزي.. لو بعت لها مليم واحد يا مدحت، لا أنا ولا عيالك هنقعد لك في البيت ده، وهقلبها حريقة على الكل!”
مدحت رد ببرود قاتل:
* “أعلى ما في خيلك اركبيه يا سعاد.. والبيت ده ميبقاش بيت مدحت لو الظلم فضل جواه.” وقفل السكة في وشها للمرة التانية.
### زيارة النار والغل
سعاد الحقد عماها تماماً، مأستحملتش تقعد في مكانها. لبست عبايتها ونزلت بسرعة متجهة للحارة الضيقة، الدم كان بيغلي في عروقها وعايزة تفش غلها في صباح.
وصلت للحارة، ودخلت بيت صباح من غير ما تخبط، زقت الباب برجليها ودخلت الصالة الصغيرة وهي بتصرخ:
* “أهلاً يا ست صباح! أهلاً يا شيخة جوامع، يا اللي عاملة نفسك غلبانة ومكسورة الجناح وأنتي عقربة من تحت لِتحت!”
صباح وقفت مذهولة، ونورا جريت وقفت جمب أمها بخوف. صباح قالت بهدوء ووجع:
* “في إيه يا سعاد؟ داخلة البيت كدة ليه وعايزة إيه تاني؟ مش كفاية اللي عرفناه؟”
سعاد قربت منها وعينيها بتطلع شرار:
* “عرفتوا إيه يا أم ديل؟ فاكرة نفسك شاطرة لما شغلتي بنتي ‘منة’ جاسوسة عليا وخليتيها تلطش الكلام وتنقله لأبوها في أستراليا؟ فاكرة لما تتمسكني لمدحت وتاخدي الـ 5000 جنيه إنك بقيتي هانم؟ لأ يا حبيبتي.. فوقي لنفسك، أنتي لسه صباح الشقيانة، وبنتك دي أخرها دبلوم زي ما قولتلك، مش هتوصل لمستوى عيالي أبداً!”
نورا بكت من القهر وقالت:
* “حرام عليكي يا خالتي.. إحنا عملنا لك إيه؟ إحنا عمرنا ما طلبنا من بابا مدحت حاجة، هو اللي كان بيبعت من نفسه وأنتي اللي كنتي بتاكلي حقنا!”
سعاد رفعت إيدها وشاورت في وش نورا بحقد:
* “اخرسي يا بت أنتي، متتكلميش معايا.. الفلوس دي فلوس جوزي أنا، وشقا عمري أنا وعيالي. الدهب اللي في إيدي ده أنا أولى بيه من ملازمك ودروسك الخصوصية.. والله يا صباح لو لمستي قرش واحد من فلوس مدحت، لأكون مخربة الدنيا فوق دماغك ودماغ بنتك، وهخلي الحارة كلها تتفرج عليكي!”
صباح بصت لأختها ونظرة الشفقة ظهرت في عينيها رغم الوجع، وقالت بكرامة:
* “أنا مش هرد عليكي يا بنت أبويا.. أنا هسيبك لربنا اللي كشفك من فوق سبع سموات من غير ما أفتح بوقي. الفلوس اللي جوزك هيبعتها دي حق بنتي اليتيمة اللي أنتي استكترتيه عليها.. وامشي برة بيتي يا سعاد، ماليش أخت بالغل ده.”
سعاد ضحكت بـغل وقالت وهي خارجة:
* “ماشي يا صباح.. الأيام بيننا، وهنشوف الـ 5000 جنيه دول هتنفعك ولا هتكون سبب في خراب بيوتنا كلنا!”
رجعت سعاد شقتها، وهي بتخطط لشر جديد.. مكنتش تعرف إن مدحت في أستراليا مأكتفاش بالمكالمة، وإنه أخد قرار حاسم بخصوص “الدهب” والشقة، وقرر ينفذه فوراً عن طريق محامي في مصر!
#الكاتب_رومانى_مكرم
يا ترى إيه المفاجأة القانونية اللي مدحت بيحضرها لسعاد عشان يكسر حقدها؟ وهل سعاد هتقدر تمنع الفلوس عن صباح بنفوذها؟ ونورا هتعمل إيه في دراستها وسط التهديدات دي؟
النفوس اتكشفت، والحقد أعمى القلوب.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!