بعد العوده حكـايـات أسمـا ×2

الجزء الثاني: الأب الحقيقي

وقفت قدام السرير الفاضي، والورقة في إيدي.

كان مكتوب عليها:

“عايز مراتك؟ هات الدفتر.”

ما صرختش.

ما سألتش الممرضين بصوت عالي.

وقفت في نص غرفة العناية، وبدأت أبص لكل تفصيلة حواليّا.

جهاز المراقبة كان لسه شغال، وبيطلع إنذار متقطع لأن الأسلاك اتشالت من جسم ياسمين بسرعة.

المحلول كان متساب متعلق، وفي آخر الخرطوم نقطة دم صغيرة.

يعني اللي نقلها ما كانش عنده وقت يفصل الأجهزة بالطريقة الطبية الصحيحة.

كان مستعجل.

أو خايف.

بصيت للكاميرا اللي فوق باب العناية.

العدسة مكسورة.

لكن الكسر كان من الداخل، مش من الممر.

يعني اللي كسرها دخل الغرفة بشكل طبيعي، وبعدها عطّل التسجيل.

واحدة من الممرضات كانت واقفة في آخر الممر، ووشها شاحب.

قربت منها.

أول ما شافتني، نزلت عينيها.

قلت:

— مين دخل الأوضة؟

هزت راسها.

— ما شفتش.

— بصّيلي.

رفعت عينيها بالعافية.

كانت بتترعش.

— قالوا إن في نقل طارئ.

— مين قال؟

— دكتور من الإدارة.

— اسمه؟

— ما أعرفش.

— إزاي دكتور من الإدارة وإنتِ ما تعرفيهوش؟

— كان لابس كمامة وكاب العمليات.

— وكان معاه كام واحد؟

— اتنين لابسين زي مسعفين.

— والورق؟

— كان معاهم أمر نقل مختوم.

— مين وقّع عليه؟

سكتت.

قربت منها.

— ياسمين اتخطفت وهي بين الحياة والموت. أي معلومة تخبيها تخليكي شريكة.

بدأت تعيط.

— الرائد سامح قال لنا ما نسألش.

اتجمدت.

سامح، ظابط المباحث اللي دخل شقتي وحاول ياخد الأدلة.

قلت:

— سامح كان هنا؟

— أيوه.

— إمتى؟

— قبل النقل بعشر دقايق.

— وخرج معاهم؟

— لأ. مشي من الباب الرئيسي.

يعني سامح رتّب الخروج، ثم أبعد نفسه عن المشهد.

قلت:

— خرجوا منين؟

أشارت ناحية باب الخدمة الخلفي.

جريت.

في الساحة الخلفية لقيت أثر عجلات نقالة فوق الأرض المبلولة.

اتبعتها لحد مكان وقوف العربيات.

على الأرض كان فيه غطاء إبرة.

لبست القفاز، ورفعته.

ريحة الدواء كانت واضحة.

مهدئ.

ياسمين كانت أصلًا في غيبوبة طبية وحالتها خطرة.

إعطاؤها جرعة زيادة ممكن يوقف تنفسها.

اتصلت بطبيب العناية.

رد وهو بيجري ناحية الساحة.

وريته غطاء الإبرة.

وشه اتغير.

— ده مهدئ قوي.

— لو أخدته؟

— ممكن يدخلها في هبوط حاد، خصوصًا مع النزيف اللي عندها.

— قدامها وقت قد إيه؟

— ما أقدرش أحدد من غير ما أعرف الجرعة.

— افترض الأسوأ.

— ساعات قليلة.

اتصلت بحازم.

رد فورًا.

— حصل إيه؟

— خطفوا ياسمين من العناية.

— إزاي؟

— سامح رتّب أمر نقل مزور.

— عندك اتجاه العربية؟

— باب الخدمة الخلفي. إسعاف خاص، غالبًا لوحة مسروقة.

سمعت صوت أصابعه على لوحة المفاتيح.

قال:

— كاميرا الإشارة القريبة صورت عربية إسعاف خرجت من المستشفى من تمنتاشر دقيقة.

— اتجاهها؟

— الطريق الصناعي.

— ابعت الموقع.

— استنى القوة.

— ياسمين ما عندهاش وقت.

— آدم، ما تدخلش لوحدك.

قفلت قبل ما يكمل.

وأنا بركب العربية، رن موبايلي.

شريف.

أصغر إخوات ياسمين.

رديت.

صوته كان منخفضًا ومختنقًا:

— آدم… هما عرفوا.

— عرفوا إيه؟

— إن التسجيل اتبعت من موبايلي.

شدّيت إيدي على المقود.

— إزاي؟

— حسابي مربوط بتابلت البيت. أبويا شاف إشعار الإرسال.

— إنت فين؟

— في عربية مجدي.

— لوحدك؟

— إخواتي معايا.

— وياسمين؟

سكت.

قلت بصوت حاد:

— ياسمين معاكو؟

— أيوه.

سمعت صوت رجل من بعيد:

— بتكلم مين يا شريف؟

كان مجدي.

شريف قال بسرعة:

— أنا آسف.

الخط اتقفل.

بعد ثواني، وصلني موقع مباشر.

مشاركة لمدة دقيقة واحدة فقط.

شريف كان لسه بيحاول يساعد.

الموقع اتحرك ناحية مصنع قديم في المنطقة الصناعية.

عرفت المكان.

مصنع نسيج مهجور تابع لشركة من شركات فؤاد.

حازم اتصل.

— حددنا الإسعاف.

— مصنع النور القديم؟

سكت.

— إنت عرفت إزاي؟

— شريف بعت موقع.

— القوة في الطريق. ما تدخلش.

— لما توصلوا، ممكن تلاقوا ج*ثة.

قفلت.

وصلت المصنع بعد أقل من عشر دقائق.

بوابته الرئيسية مقفولة.

عربية الإسعاف كانت مستخبية خلف السور.

ركنت بعيد.

ما دخلتش من الباب.

لفيت حول المبنى، ولقيت ماسورة صرف قديمة مثبتة في الحائط.

طلعت عليها لحد شباك مكسور في الدور الأول.

دخلت.

المكان ضلمة، وريحة تراب وزيت قديم ماليه الجو.

سمعت أصوات جاية من صالة الإنتاج.

قربت بحذر.

صوت فؤاد كان واضحًا:

— الدفتر عند آدم.

مجدي قال:

— نجيبه ونخلص منه.

فؤاد رد:

— مش قبل ما نعرف بعت نسخ لمين.

حسام قال:

— سامح بيدور في الشقة.

— سامح فشل.

صوت جديد دخل في الحوار.

رجل مش من إخوات ياسمين.

قال:

— آدم رجع أسرع من المتوقع.

فؤاد رد بتوتر:

— إنت قلت المهمة هتطول سنة.

الرجل قال:

— حصل تسريب جوه الشبكة.

عرفت إن الموضوع أكبر من ميراث وضرب عائلي.

أهل ياسمين مرتبطين بالمهمة اللي كنت فيها.

تحركت ناحية الغرف الخلفية.

لقيت بابًا معدنيًا عليه حارس.

استنيت لحد ما لف.

ضربته في نقطة خلف رقبته، ولحقته قبل ما يقع.

فتشت جيبه.

لقيت مفتاحًا.

فتحت الباب.

ياسمين كانت على سرير نقل.

وشها ملفوف بالشاش.

جسمها ساكن.

جهاز صغير موصل بصدرها، والنبض ضعيف.

جنبها ممرضة بتحقن حاجة في المحلول.

ثبتها من الخلف، وحطيت إيدي على بقها.

قلت في ودنها:

— لو صرختِ، أول حقنة هتتحط فيكي.

وقفت إيدها.

أخدت السرنجة.

— دي إيه؟

— مضاد حيوي.

بصيت للعبوة.

— كدابة.

ضغطت على معصمها.

قالت:

— مهدئ.

— الجرعة؟

— مش عارفة.

— مين اداكي الأمر؟

— الدكتور سامح.

— سامح مش دكتور.

— قال إن الطبيب وافق.

— هتديها ليه؟

بكت.

— قالوا لازم تفضل نايمة لحد ما تمضي.

— تمضي إزاي وهي فاقدة الوعي؟

— بصمتها.

بصيت لإيد ياسمين.

كانوا عايزين يستخدموا بصمتها على الأوراق.

قفلت المحلول.

فصلت الخرطوم المشكوك فيه.

بدأت أفك فرامل السرير.

قلت للممرضة:

— هتدفعيه معايا.

هزت راسها بسرعة.

أول ما فتحنا الباب، ظهر حسام.

شافني.

إيده راحت لس*لاحه.

دفعت الممرضة بعيدًا.

حسام ضرب.

الرصاصة دخلت في الحائط.

اندفعت ناحيته قبل ما يضرب تاني.

مسكت معصمه ولفيته.

ضربني بركبته في بطني.

رجعت خطوة، لكنه كان مندفع.

استغليت حركته، وضربته بكتفي في صدره.

وقع الس*لاح.

اتخانقنا فوق الأرض.

كان قوي، لكنه غضبان.

والغضب بيخلي الضربة واضحة قبل ما تخرج.

تفاديت قبضته، وثبت دراعه خلف ضهره.

رفعت الس*لاح ووجهته لرأسه.

— مين أمر بخطف ياسمين؟

ضحك رغم الألم.

— أبوها.

— فؤاد؟

— أبوها الحقيقي.

— عادل المنشاوي مات.

ابتسم.

— الميتين في عيلتنا بيرجعوا كتير.

سمعت تصفيقًا بطيئًا خلفي.

لفيت.

رجل في أوائل الستينات كان واقف عند الباب.

بدلة غامقة.

شعره أبيض عند الجانبين.

وعينيه…

نفس عيني ياسمين.

قال:

— أخيرًا قابلت زوج بنتي.

ثبتُّ الس*لاح عليه.

— عادل المنشاوي؟

— أيوه.

— شهادة وفاتك؟

— ورقة.

— السجن؟

— مسرحية.

دخل فؤاد خلفه.

ثم مجدي ووليد واثنان من المسلحين.

بقيت محاصرًا.

لكن أكتر حاجة صدمتني إن فؤاد وعادل واقفين جنب بعض.

مش أعداء.

شركاء.

قلت:

— فؤاد سرق بنتك؟

عادل ضحك.

— ما سرقهاش. أنا اديتهاله.

بصيت لفؤاد.

قال:

— كان لازم تختفي.

— فسجلتوها بنتك؟

— أيوه.

— واستخدمتوا اسمها في التحويلات؟

عادل رد:

— كانت طفلة بلا تاريخ. أفضل واجهة.

— دي بنتك.

— البنت والولد والزوجة… كلها كلمات للناس الضعيفة.

بصيت لياسمين.

— واحد وثلاثين كسر.

عادل قال ببرود:

— هي اللي صعّبت الموضوع.

— لأنها رفضت تمضي؟

— لأنها عرفت أكتر من اللازم.

فؤاد قال:

— إحنا ما كناش ناويين نق*تلها.

عادل لف له.

— إنت لسه بتبرر؟

فؤاد قال:

— دي بنتي.

— بنتي أنا.

— أنا اللي ربيتها.

عادل ابتسم باحتقار.

— وإيه اللي عملته تربيتك؟ خليتها تتجوز الضابط اللي هد الشبكة؟

فهمت.

— كنتوا عارفين مهمتي.

عادل قال:

— من أول يوم.

— وكمال السعدي؟

ملامحه ما اتحركتش.

لكن الصمت قال كل شيء.

كمال، قائد المهمة السرية، كان واحدًا منهم.

قلت:

— إنتوا بعتوني بعيد علشان تفضوا لياسمين.

فؤاد رد:

— كان المفروض تمضي وتسكت.

— ولما رفضت؟

مجدي قال بغضب:

— قلة أدبها كانت محتاجة تأديب.

رفعت الس*لاح ناحية وجهه.

— قولها تاني.

عادل رفع إيده.

المسلحون صوبوا نحوي.

— حط الس*لاح يا آدم.

— الأول ياسمين تخرج.

— هات الدفتر.

— خرجوها.

— الدفتر.

قلت:

— بعته كامل.

لأول مرة، ظهر القلق في عيني عادل.

— لمين؟

— ناس مش هتعرفوا تشترونها.

فؤاد بص لإخوَة ياسمين.

واضح إن الخطة بتتفكك.

عادل قال:

— إنت بتكدب.

— جرب.

أشار لمجدي.

مجدي مسك شريف من رقبته وجابه للداخل.

وش شريف كان مليان كدمات.

قال مجدي:

— الخاين ده بعت التسجيل.

فؤاد صرخ:

— سيبه!

عادل قال بهدوء:

— اق*تل**ه.

فؤاد لف له.

— ده ابني.

— الخاين ما يبقاش ابن.

شريف بص لي.

قال:

— آدم، أنا آسف.

قلت:

— ما تبصش لهم. بص لي.

عادل كرر:

— اق*تله.

مجدي رفع الس*لاح.

ثبتُّ س*لاحي عليه.

لكن خمسة أسلحة كانت موجهة لي.

لو ضربت، ياسمين وشريف ممكن يموتوا.

حطيت الس*لاح على الأرض.

مجدي ضربني من الخلف.

وقعت.

ربطوا إيدي.

عادل فتشني.

طلع الدفتر.

بدأ يقلب صفحاته.

وقف عند النهاية.

ثم ضربني في وجهي.

— فين الصفحة الأخيرة؟

بصيت له.

— دي كل الصفحات.

ضربني تاني.

— ياسمين قطعتها.

— اسألها لما تفوق.

قرب من وجهها.

— هي مش هتفوق.

فؤاد قال بسرعة:

— اتفقنا نسيبها.

عادل رفع عينه له.

— الاتفاق اتغير.

— دي بنتنا.

— دي شاهدة.

فؤاد وقف قدامه.

— مش هتق*تلها.

عادل طلع مس*دسه وضربه في بطنه.

الطلقة دوّت.

فؤاد وقع.

أولاده صرخوا.

الفوضى بدأت.

شريف خبط مجدي برأسه.

وأنا ضغطت الرباط على مسمار بارز خلف الكرسي.

الحبل اتقطع.

قفزت ناحية الس*لاح.

ضربت رصاصة في مصباح السقف.

الظلام نزل.

تحركت تجاه مكان ياسمين.

سمعت طلقات عشوائية.

وصلت للسرير.

شريف وصل جنبي.

قلت:

— ادفعها ناحية الباب الجانبي.

— وإنت؟

— بغطيك.

طلعنا من الممر الخلفي.

طلقات خبطت في الحائط ورانا.

وصلنا لباب الخدمة.

شريف كان بينزف من جبينه.

قلت:

— الصفحة الأخيرة فين؟

طلع ورقة مطوية من داخل حذائه.

— ياسمين ادهالي قبل ما يضربوها.

فتحتها بسرعة.

خريطة تحويلات.

أسماء شركات.

ضباط.

مسؤولون.

وفي أسفلها اسم محاط بدائرة حمراء:

اللواء كمال السعدي.

قائد مهمتي.

الرجل اللي اختارني.

الرجل اللي عرف كل تحركاتي.

صوت عادل جاء خلفنا:

— مش هتخرجوا!

ظهر آخر الممر، ووجه الس*لاح.

شريف وقف قدام سرير ياسمين.

عادل قال:

— ابعد يا ولد.

شريف رد:

— كفاية.

عادل أطلق النار.

شريف تحرك.

الرصاصة دخلت كتفه.

وقبل ما عادل يضرب مرة تانية، أطلقت على رجله.

وقع.

حملت شريف من ذراعه، ودفعنا ياسمين للخارج.

عربية الشركة كانت قدام الباب.

كسرت زجاجها، وشغلتها من الأسلاك.

حطينا ياسمين وشريف في الخلف.

وانطلقت.

ما رحتش المستشفى المدني.

اتجهت للمستشفى العسكري.

اتصلت بحازم.

— قابلني عند البوابة، ومعاك ناس تثق فيهم.

— القوة قربت من المصنع.

— سيب جزء هناك. كمال متورط.

سكت.

— متأكد؟

— اسمه في الورقة.

— ما تدخلش البوابة الرئيسية.

لكن كان متأخر.

لما وصلت، لقيت قوة أمنية مستنياني.

في مقدمتها اللواء كمال السعدي.

نزل من عربيته بهدوء.

كأنه جاي يستقبلني بعد نجاح المهمة.

بص لي.

ثم بص للورقة في إيدي.

قال:

— سلمها يا آدم.

قلت:

— الأول تدخل ياسمين وشريف العمليات.

— طبعًا.

أشار للجنود.

لكن أسلحتهم اتوجهت نحونا.

مش ناحية الطريق.

مش لحمايتنا.

نحونا.

قلت:

— إجراءات أمنية؟

ابتسم.

— لسه بتفهم بسرعة.

— إنت اللي رجعتني من المهمة؟

— أيوه.

— ليه؟

— كنت محتاج أعرف ياسمين خبت الصفحة فين.

— وخليتهم يعذبوها.

— العائلة تجاوزت التعليمات.

— وأنت سيبتهم.

— كنت أتوقع إنها تموت.

شدّيت الس*لاح.

— قولها تاني.

رفع إيده.

الجنود قربوا.

— مهمتك انتهت يا آدم.

سمعنا صوت مروحيات من فوق.

كمال رفع عينه.

عربات مدرعة دخلت من البوابة الجانبية.

حازم نزل منها ومعه قوة من جهاز رقابي مستقل.

صرخ:

— كل الس*لاح على الأرض!

رجال كمال اترددوا.

قال حازم:

— عندنا أوامر قبض وتسجيل كامل للمواجهة.

بصيت لكمال.

— بعثت نسخة قبل ما أطلع من المصنع.

لأول مرة، اختفت ابتسامته.

لكن بعد لحظات رجعت.

قال:

— النسخة ناقصة.

— إيه الناقص؟

بص ناحية ياسمين داخل العربية.

وقال:

— المفتاح الحقيقي… مزروع جواها.

نهاية الجزء الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *