حبيب العمر حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الرابع

من اليوم اللي بعده…

اتحولت أوضة المستشفى من مكان كله خوف…

لمكان كله مقاومة.

كل صباح، كنت أصحى قبل أحمد.

أجيب قهوتي، وأقعد جنب الشباك أستنى الدكتور يدخل.

وأول ما أحمد يفتح عينه، أبتسم وأقول:

“صباح الخير يا عريس.”

فيضحك رغم التعب.

ويقول:

“هو أنا هفضل عريس المستشفى قد إيه؟”

أرد وأنا بمسك إيده:

“لحد ما نطلع منها ونعمل الفرح اللي اتأجل.”

كان يضحك…

لكن عينيه كانت بتقول إنه خايف.

—

بدأت جلسات العلاج.

كانت أصعب مما تخيلنا.

أيام يرجع فيها مبتسم.

وأيام ميبقاش قادر حتى يفتح عينه.

وفي كل مرة يحس إنه هيستسلم…

كان يبص لدبلته.

ويقول:

“أنا وعدتك.”

—

بعد شهر…

الدكتور طلب يقابلنا.

دخلنا مكتبه.

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

“في استجابة مبدئية للعلاج.”

حسيت إن الحمل اللي فوق صدري اتحرك لأول مرة.

أحمد سأل بسرعة:

“يعني الورم بيصغر؟”

الدكتور رد بهدوء:

“لسه بدري على أي حكم نهائي… لكن المؤشرات أفضل من اللي توقعناه.”

خرجنا من المكتب.

وأول ما باب المصعد اتقفل…

حضنت أحمد بقوة.

فضلنا نعيط إحنا الاتنين…

لكن المرة دي…

كانت دموع أمل.

—

بعدها بأسبوع…

رجعت نفس الممرضة اللي همستلي أول يوم.

وقفت قدامي وقالت وهي مبتسمة:

“زعلانة مني؟”

ضحكت وسط دموعي.

“إنتِ قلبتي حياتي.”

قالت:

“أنا كنت محتارة… أكسر ثقة المريض، ولا أسيبكوا تعيشوا على كذبة.”

مسكت إيدها.

“لو ما كنتيش اتكلمتي… كان زمانه بيحارب لوحده.”

ابتسمت ومشت.

وأنا لأول مرة أحس إن الغريب ممكن يبقى سبب في نجاة إنسان.

—

مرت ستة شهور.

أحمد بقى يخرج يتمشى في جنينة المستشفى.

كل خطوة كانت انتصار.

وكل ضحكة كانت تعويض عن ألف وجع.

في يوم، وقف قدام الكافتيريا وبصلي.

“فاكرة الجاتوه؟”

ضحكت.

“اللي كنت بتخبّيهولي وإحنا في ابتدائي؟”

هز رأسه.

دخل واشترى آخر قطعة جاتوه في التلاجة.

وحطها قدامي.

وقال:

“قلت أرجع العادة القديمة.”

ضحكت وأنا بعيط.

“واضح إنك لسه نفس أحمد.”

قال وهو بيغمز:

“وأنتِ لسه البنت اللي كنت مستعد أعمل أي حاجة عشان تضحك.”

—

بعد سنة…

الدكتور طلب أشعة جديدة.

الانتظار كان أصعب من أي علاج.

قعدنا قدام المكتب، ولا واحد فينا بيتكلم.

خرج الدكتور، والملف في إيده.

بصلنا شوية…

وساب الصمت يطول.

قلبي كان هيقف.

وفجأة…

ابتسم.

وقال:

“النتيجة أحسن مما توقعنا.”

أحمد سأل بسرعة:

“يعني إيه؟”

رد الدكتور:

“العلاج حقق استجابة ممتازة. هنكمل متابعة منتظمة، لكن النهارده عندنا سبب كبير نفرح.”

أنا مقدرتش أتمالك نفسي.

حضنت أحمد قدام الدكتور والممرضات.

وهو كان بيضحك ويعيط في نفس الوقت.

—

بعد شهرين…

لبست الفستان الأبيض…

الفستان اللي كنت فاكرة عمري ما هلبسه.

وأحمد لبس نفس البابيون الأسود.

لكن المرة دي…

ما كانش فوق بيجامة مستشفى.

كان واقف جنبي في قاعة صغيرة، وسط أهلنا وأصحابنا.

المأذون ابتسم وقال:

“واضح إن دي المرة التانية.”

ضحك أحمد وقال:

“دي أول مرة أكون فيها عريس بجد.”

ضحك كل اللي في القاعة.

أما أنا…

فبصيت له وافتكرت أوضة المستشفى، والطرحة البسيطة، وهمسة الممرضة، والظرف اللي تحت المرتبة.

وعرفت إن الحب الحقيقي…

مش هو اللي بيخلينا نهرب من الحقيقة.

الحب الحقيقي…

هو اللي يخلينا نواجهها سوا.

الفصل الأخير بعد خمس سنوات

خمس سنين عدوا…

وفي كل سنة، يوم كتب كتابنا في أوضة المستشفى، كنا نرجع نزور نفس المستشفى.

مش علشان نفتكر الوجع…

لكن علشان نفتكر المعجزة.

الممرضة نفسها كانت لسه شغالة.

أول ما شافتنا، ضحكت وقالت:

“العريس والعروسة رجعوا.”

أحمد ضحك وهو شايل ولد صغير على كتفه.

وقال:

“وجبنا عضو جديد في الفريق.”

الولد كان عنده أربع سنين.

شعره أسود، وعنيه شبه أحمد بشكل يخلي أي حد يعرف إنه ابنه من أول نظرة.

أما البنت الصغيرة، فكانت ماسكة إيدي وبتسأل:

“ماما… هو إحنا ليه بنيجي هنا كل سنة؟”

قعدت على ركبتي قدامها.

وقلت:

“علشان هنا ربنا ادانا فرصة جديدة.”

—

دخلنا أوضة أحمد القديمة.

كانت فاضية.

لكن السرير كان في نفس مكانه.

وقف أحمد يبص للمرتبة ويضحك.

قلت له:

“فاكر إيه اللي كان مستخبي تحتها؟”

هز رأسه وهو يبتسم.

“أكبر غلطة عملتها.”

رديت وأنا بمسك إيده:

“لأ… أكبر غلطة كانت إنك افتكرت إنك لازم تواجه كل حاجة لوحدك.”

سكت لحظة.

وقال:

“ومن يومها اتعلمت إن الجواز مش معناه إن واحد يشيل عن التاني… الجواز معناه إن الاتنين يشيلوا الحمل سوا.”

—

قبل ما نمشي، قابلنا دكتورنا في الممر.

كان شعره شاب أكتر.

ابتسم أول ما شاف أحمد.

صافحه بحرارة وقال:

“كل مرة أشوفك فيها، بافتكر إن الأمل عمره ما ينفع يختفي.”

أحمد رد بابتسامة:

“وأنا كل مرة بشوف حضرتك، بافتكر إن كلمة صادقة ممكن تغير حياة إنسان.”

—

خرجنا من المستشفى.

وقف أحمد في الشمس، وبص للسماء.

ثم لف ناحيتي وقال:

“فاكرة أول يوم بعد كتب الكتاب؟”

ابتسمت.

“لما كنت فاكر إن حياتنا خلصت.”

قال وهو يضم أولادنا:

“طلع ربنا كان لسه كاتب أول صفحة بس.”

مسكت إيده.

ومشينا سوا.

المرة دي…

من غير خوف.

ومن غير أسرار.

ومن غير أي شيء نخبيه تحت أي مرتبة.

كانت بداية حياة جديدة…

بدأت من أوضة مستشفى، وانتهت ببيت مليان ضحك، وحب، وامتنان لكل يوم جديد.
الفصل الإضافي

بعد سبع سنين…

كان أحمد واقف قدام المدرسة ماسك إيد ابنه الكبير، بينما البنت الصغيرة كانت بتجري قدامه وهي بتضحك.

بصلي وقال مبتسم:

“فاكرة أول مرة مسكت إيدك؟”

ضحكت.

“في أولى ابتدائي… لما كنت خايفة أعدي الشارع.”

هز رأسه.

“وقتها وعدت نفسي إن عمري ما هسيب إيدك.”

سكت لحظة.

“للأسف… في فترة المرض كنت أنا اللي سيبتها.”

مسكت إيده بقوة.

وقلت:

“إنت ما سيبتهاش… إنت كنت بتحاول تحميني بطريقتك.”

ابتسم بحزن.

“وأكتشفت إن الحماية الحقيقية… هي الصراحة.”

—

في المساء…

وصلنا البيت.

ولقينا ابني بيفتح دولاب قديم كان مقفول من سنين.

طلع منه صندوق خشب صغير.

قال:

“بابا… إيه ده؟”

أحمد فتح الصندوق ببطء.

كان جواه البابيون الأسود اللي لبسه يوم كتب الكتاب في المستشفى.

وجنبه الطرحة البيضاء البسيطة.

وفي ركن صغير…

كان موجود الظرف البني.

الظرف اللي كان مستخبي تحت المرتبة.

الأولاد بصوا باستغراب.

البنت سألت:

“هو ده إيه يا ماما؟”

بصيت لأحمد.

هز رأسه وقال:

“احكيلهم.”

قعدنا كلنا على الأرض.

وحكيت لأولادنا الحكاية من أولها.

حكيت عن الخوف…

وعن المرض…

وعن أوضة المستشفى…

وعن اليوم اللي قررنا فيه نتجوز حتى لو الدنيا كلها كانت ضدنا.

الأولاد كانوا ساكتين.

ولما خلصت…

ابني الكبير حضن أحمد وقال:

“أنا فخور بيك يا بابا.”

أما البنت الصغيرة فحضنتني وقالت:

“وأنا فخورة بيكي يا ماما.”

أحمد مسح دمعة نزلت من عينه.

وقال:

“أجمل حاجة ربنا رزقني بيها… مش إني خفيت.”

بص ناحيتي.

“أجمل حاجة… إنه رزقني فرصة أعيش العمر اللي كنت فاكر إنه انتهى… مع الإنسانة اللي عمرها ما بطلت تؤمن بيا.”

وقتها عرفت…

إن بعض القصص نهايتها السعيدة مش بتكون في يوم الشفاء…

لكن في كل يوم جديد بنصحى فيه جنب الناس اللي بنحبهم، ونحمد ربنا على نعمة الفرصة الثانية.

الخاتمة

بيقولوا إن المعجزات بتحصل مرة واحدة في العمر…

لكن أنا اكتشفت إن المعجزة الحقيقية مش إن أحمد عاش.

المعجزة الحقيقية…

إننا اتعلمنا نعيش.

اتعلمنا إن المرض ممكن يكسر الجسد…

لكن عمره ما يكسر قلبين متمسكين ببعض.

واتعلمنا إن الخوف بيخلينا نخبي الحقيقة…

لكن الحب الحقيقي بيخلينا نواجهها سوا.

كل سنة، في نفس اليوم اللي كتبنا فيه كتابنا جوه أوضة المستشفى، بنرجع نزور المكان.

مش علشان نفتكر الألم…

لكن علشان نفتكر إن ربنا قادر يغيّر كل حاجة في لحظة.

في نفس الأوضة اللي شهدت دموعنا…

بقينا نضحك.

وفي نفس الممر اللي خرجت منه وأنا فاكرة إن حياتنا انتهت…

بقينا نمشي وإحنا شايلين أولادنا بإيدينا.

أما الظرف اللي كان مستخبي تحت المرتبة…

فما بقاش مجرد ورق.

بقينا محتفظين بيه في مكتبتنا.

كل ما الحياة تضغط علينا، نفتحه ونقراه من جديد.

علشان نفتكر إن أصعب المعارك ما بتتكسبش بالقوة…

لكن بالصبر، والإيمان، والناس اللي بتختار تفضل جنبك حتى في أسوأ أيامك.

وأحمد…

كل ما حد يسأله عن أجمل يوم في حياته، يبتسم ويبصلي ويقول:

“مش يوم ما خفيت…

ولا يوم ما خرجت من المستشفى…

أجمل يوم كان يوم كتبت كتابي على الست اللي اختارتني وأنا في أضعف لحظة في عمري.”

وأنا كل مرة أسمعه، أمسك إيده وأبتسم.

لأنني أدركت أن السعادة لا تعني أن حياتك خالية من الألم…

بل أن تجد شخصًا يختارك، ويتمسك بك، حتى عندما يظن الجميع أن النهاية اقتربت.

وهكذا انتهت حكايتنا…

ليس لأنها كانت خالية من الدموع…

بل لأن الله بدّل تلك الدموع طمأنينة، وبدّل الخوف أملًا، وبدّل المستشفى الذي ظنناه محطة الوداع… إلى أول محطة في عمرٍ جديد.

تمت بحمد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *