مشرد وسيم حكـايـات أسمـا ×1

أعطيتُ رجلًا مشرّدًا بعض المال، ثم طلبتُ منه أن يتظاهر بأنه خطيبي… لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن في حسباني.

لأشهرٍ طويلة، لم يتوقف والداي عن تكرار السؤال نفسه.

“إمتى هنفرح بيكي؟”

“لسه ما لقيتيش الشخص المناسب؟”

حاولت تغيير الموضوع عشرات المرات، لكنهما لم يتوقفا عن الضغط عليّ.

وفي النهاية، خطرت لي فكرة مجنونة… لكنها بدت غير مؤذية.

سأظهر أمامهما مع خطيبٍ مزيف.

في أحد الأيام، رأيت رجلًا مشرّدًا يجلس وحده على مقعد داخل حديقة عامة.

بدلًا من أن أمرّ بجانبه، جلست إلى جواره وقدمت له عرضًا غريبًا.

سأوفر له وجبات ساخنة، وملابس جديدة، ومكانًا يقيم فيه لعدة أيام… مقابل أن يتظاهر بأنه خطيبي خلال عشاء عائلي واحد فقط.

المفاجأة أنه وافق دون تردد.

خلال اليومين التاليين، ساعدته على الحلاقة، ورتبت شعره، واشتريت له بدلة أنيقة.

وكانت النتيجة مذهلة.

فخلف الملابس البالية… كان يقف رجل وسيم بصورة لم أتوقعها.

لكن مظهره لم يكن أكثر ما أدهشني.

كان مهذبًا… وذكيًا… وخفيف الظل… ويتحدث بثقة وثقافة.

وكلما قضيت وقتًا أطول معه، ازداد اقتناعي بأن حياته في الشارع تخفي وراءها سرًا كبيرًا.

وعندما ذهبنا أخيرًا إلى منزل والدي، كنت واثقة أن خطتي ستنجح.

في البداية، سار كل شيء كما تمنيت.

ثم رفعت أمي رأسها ونظرت إليه.

واختفت ابتسامتها تدريجيًا.

ظلت تحدق في وجهه دون أن تنطق بكلمة.

وفجأة همست بصوت مرتجف:

“لا… مستحيل… أنتِ لا يمكن تتجوزيه.”

ساد الصمت في أرجاء الغرفة.

نظرت إليها مذهولة وقلت:

“إيه اللي بتقوليه يا ماما؟”

لم تجب.

واصلت التحديق في وجهه… وكأنها تعرفه منذ سنوات.

ثم سألته سؤالًا واحدًا فقط…

وفي اللحظة التي سمع فيها السؤال…

اختفى اللون من وجهه تمامًا… ممصر…حصري لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الفصل الأول: العشاء الذي قلب كل شيء
أول ما أمي قالت بصوت مرتعش:
“لا… مستحيل… إنتِ لا يمكن تتجوزيه.”
حسيت إن قلبي وقع.
بصيت لها…
وبعدين بصيت له.
كان واقف بثبات طول الوقت…
لكن في اللحظة دي…
وشه شحب.
وأول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينيه.
قلت باستغراب:
“ماما… إنتِ تعرفيه؟”
ما ردتش.
فضلت تبص له.
وبعدين سألته بهدوء غريب:
“اسم أمك… كان فاطمة؟”
الرجل بلع ريقه.
وسكت ثواني.
قبل ما يرد بصوت منخفض:
“أيوه.”
أمي رجعت خطوة لورا…
وحطت إيديها على بوقها.
وأبويا قام من مكانه مرة واحدة.
“إيه اللي بيحصل؟”
أمي بصت لأبويا وقالت:
“ده… ده ممكن يكون…”
لكنها سكتت.
أنا كنت هتجنن.
“هو إيه؟ حد يفهمني!”
الرجل شد نفسًا طويلًا.
وقال:
“أنا آسف… واضح إن وجودي هنا كان غلطة.”
حاول يمشي.
لكن أمي جريت ناحيته.
ومسكت إيده.
وقالت وهي دموعها بتنزل:
“اسمك الحقيقي إيه؟”
قال بهدوء:
“آدم.”
“واسم أبوك؟”
“محمود عبدالسلام.”
في اللحظة دي…
أمي انهارت على الكرسي.
وأبويا وشه اتغير.
أما أنا…
فما كنتش فاهمة أي حاجة.
قال أبويا بصوت مخنوق:
“إنت ابن محمود؟”
هز رأسه.
وساد صمت طويل.
أنا صرخت:
“هو حد يقول لي في إيه؟”
أمي بدأت تحكي.
من أكتر من ثلاثين سنة…
كان لأبويا أخ أكبر.
اسمه محمود.
حصل خلاف كبير بينهم على الميراث.
وساب البيت.
وقاطع العيلة كلها.
بعدها بسنة…
وصل خبر إنه مات هو وزوجته في حادث.
لكن وقتها…
كان عندهم طفل صغير.
اختفى.
ومحدش عرف راح فين.
فضلوا يدوروا عليه شهور.
لكن من غير فايدة.
وأخيرًا…
اعتبروا إنه مات.
أمي بصت لآدم وهي بتبكي.
وقالت:
“إنت الطفل ده؟”
آدم نزل عينيه.
وقال:
“أعتقد.”
كلنا اتجمدنا.
أبويا قرب منه.
“معاك دليل؟”
آدم طلع سلسلة قديمة من تحت هدومه.
فيها نصف عملة فضية.
أبويا جري ناحية أوضة النوم.
ورجع بعد دقيقة.
وفي إيده سلسلة تانية.
فيها النصف الثاني.
لما الاتنين اتجمعوا…
بقوا قطعة واحدة.
أمي صرخت.
وأبويا قعد على الأرض.
أما أنا…
فكنت واقفة مش مستوعبة.
الرجل اللي جبتُه من الشارع…
طلع ابن عمّي.
كل خطتي انهارت في ثانية.
قلت بعصبية:
“يعني إحنا قريب؟!”
آدم قال بسرعة:
“لا… استني.”
وبص لأبويا.
“أنا مش متأكد إنكم عيلتي.”
أبويا قال:
“السلسلة دي محدش يعرفها غيرنا.”
آدم تنهد.
وقال:
“في الحقيقة… أنا كنت فاكر نفسي ابن محمود.”
“لكن من خمس سنين… اكتشفت الحقيقة.”
كلنا بصينا له.
قال:
“أنا كنت طفل متبنى.”
الصمت رجع من جديد.
“إيه؟”
ابتسم بحزن.
“بعد الحادث… ناس لقوني مع العربية.”
“لكن أنا ما كنتش ابنهم.”
“أنا كنت طفل تاني.”
“أما الطفل الحقيقي…”
سكت.
ثم قال:
“اختفى فعلًا.”
أبويا قال بذهول:
“يعني السلسلة؟”
رد:
“اتعلقت في هدومي وقت الحادث.”
“والأسرة اللي ربتني افتكرتها تخصني.”
أمي بدأت تبكي.
وأبويا رجع يقعد.
أما أنا…
فقلت:
“طيب… إنت ليه بقيت مشرد؟”
آدم ضحك ضحكة كلها وجع.
وقال:
“دي حكاية أطول بكتير من اللي تتخيلوه.”
…
بعد العشاء…
خرجنا أنا وهو نمشي في الشارع.
قلت له:
“لو مش عايز تحكي… مش هضغط عليك.”
ابتسم.
وقال:
“لأول مرة من سنين… حد بيقول لي الجملة دي.”
فضلنا ساكتين شوية.
وبعدين بدأ يحكي.
قال إنه اتربى عند أسرة بسيطة جدًا.
وكان متفوق في الدراسة.
دخل كلية الهندسة.
واتخرج الأول على دفعته.
اشتغل في شركة كبيرة.
واتجوز.
وكان عنده بنت صغيرة.
كل حاجة كانت مثالية.
لحد ما شريكه خانه.
لفق له قضية اختلاس.
واتحبس سنتين.
ولما خرج…
اكتشف إن مراته اتطلقت منه.
واتجوزت غيره.
وبنته سافرت مع أمها.
وكل ممتلكاته اتباعت.
ما بقاش معاه أي حاجة.
فضل يدور على شغل.
لكن كل شركة كانت تشوف الصحيفة الجنائية وترفضه.
مع الوقت…
باع عربيته.
وبعدين شقته.
وبعدين هدومه.
لحد ما لقى نفسه بينام في الشارع.
سألته:
“ليه ما طلبتش مساعدة؟”
قال:
“طلبت.”
“بس الناس بتحب تسمع قصة النجاح.”
“مش قصة السقوط.”
الكلام وجعني.
رجعته الفندق اللي كنت مأجراله.
وقبل ما يدخل…
قال:
“بكرة هسيب المكان.”
قلت بسرعة:
“ليه؟”
ابتسم.
“الاتفاق خلص.”
وقفل الباب.
لكن طول الليل…
فضل كلامه في دماغي.
ولأول مرة…
ما كنتش بفكر في الخطيب المزيف.
كنت بفكر في الإنسان.
وفي الصبح…
رحت الفندق.
لقيت الأوضة فاضية.
والاستقبال قال لي:
“الأستاذ مشي قبل الفجر.”
خرجت أجري أدور عليه في كل مكان.
لكن آدم…
اختفى وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
يتبع…
الفصل الثاني: الرجل الذي اختفى
وقفت قدام الفندق وأنا حاسة بفراغ غريب.
سألت موظف الاستقبال للمرة الثالثة:
“إنت متأكد إنه مشي؟”
هز رأسه.
وقال:
“دفع حسابه كامل، وشكرنا، وساب ظرف وقال لو حضرتك جيتي أديهولك.”
مد إيده بالظرف.
إيديا كانت بتترعش وأنا بفتحه.
فيه ورقة واحدة.
مكتوب فيها بخط مرتب:
“شكرًا لأنك عاملتيني كإنسان، مش كعبء. الاتفاق انتهى، ومش عايز أسببلك مشاكل أكتر من كده. أنسي إنك قابلتيني.”
ماكانش فيه رقم تليفون.
ولا عنوان.
ولا أي وسيلة أوصل له بيها.
رجعت البيت.
لكن دماغي كانت كلها معاه.
أمي أول ما شافتني قالت:
“لقيتيه؟”
هزيت رأسي بالنفي.
أبويا كان ساكت.
وفجأة قال:
“مش مقتنع إنه كان بيحكي كل الحقيقة.”
بصيت له باستغراب.
“ليه؟”
قال:
“طريقة كلامه… تصرفاته… حتى طريقته في مسك الشوكة والسك*ينة… دي مش تصرفات واحد عاش سنين في الشارع.”
أمي وافقته.
“أنا كمان لاحظت.”
بدأ الفضول يكبر جوايا.
وفي اليوم التالي…
قررت أرجع للحديقة اللي قابلته فيها.
يمكن ألاقيه.
لكن المقعد كان فاضي.
سألت بائع الذرة القريب:
“لو سمحت… الراجل اللي كان بيقعد هنا كل يوم… شوفته؟”
الراجل بص لي باستغراب.
وقال:
“تقصدي الأستاذ آدم؟”
اتصدمت.
“أيوه.”
ابتسم.
“ده عمره ما كان بيشحت.”
عقدت حواجبي.
“إزاي؟”
قال:
“كان كل يوم يشتري مني ذرة، ويدفع زيادة، ويقول وزع الباقي على أي طفل معدي.”
سكت لحظة.
وأضاف:
“والناس كانت فاكرة إنه مشرد عشان هدومه.”
الكلام خلاني محتارة أكتر.
مشيت أسأل أي حد شافه.
بائعة ورد قالت:
“كان بيشتري ورد ويوزعه على الستات الكبار.”
عامل نظافة قال:
“كان يساعدني كل يوم من غير ما أطلب.”
حارس الحديقة قال:
“مرة لقي طفل تايه… فضّل معاه أربع ساعات لحد ما أهله وصلوا.”
كل واحد كان عنده حكاية.
لكن محدش يعرف هو بيعيش فين.
وأنا ماشية…
لمحت عربية سوداء فخمة واقفة بعيد.
ومنها نزل راجل في بدلة شيك.
بص حواليه.
وبعدين سأل بائع الذرة:
“لو سمحت… الأستاذ آدم جه النهارده؟”
البائع قال:
“لأ.”
الراجل تنهد بحزن.
وركب عربيته.
جريت وراه قبل ما يمشي.
“استنى!”
فتح الزجاج.
بص لي باستغراب.
قلت:
“إنت تعرف آدم؟”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“حضرتك مين؟”
عرفته بنفسي.
فضل يبص لي كام ثانية.
وقال:
“اتفضلي اركبي.”
ترددت.
لكنه قال بهدوء:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة… يبقى لازم تسمعيها كلها.”
ركبت.
العربية اتحركت.
بعد عشر دقايق وقفنا قدام مبنى ضخم.
دخلنا مكتب فاخر جدًا.
الراجل قعد وقال:
“أنا اسمي حسام.”
“وكنت المدير المالي لشركة آدم.”
شهقت.
“يعني فعلًا كان مهندس؟”
ابتسم ابتسامة حزينة.
“مهندس؟”
“ده كان صاحب الشركة.”
اتسمرت مكاني.
“إيه؟”
فتح درج مكتبه.
وأخرج صورة.
آدم…
لكن ببدلة فاخرة.
واقف قدام برج كبير.
وبيصافح رجال أعمال.
قال حسام:
“من أربع سنين… كانت ثروته تتعدى مئتي مليون جنيه.”
ماقدرتش أتكلم.
حسام أكمل:
“كان أصغر رجل أعمال يحقق النجاح ده.”
“وكان مشهور بالنزاهة.”
“لحد ما الشخص اللي وثق فيه أكتر من نفسه… خانه.”
بدأ يحكي.
شريكه زور مستندات.
وسحب قروض باسم الشركة.
ولما القضية انفجرت…
كل الاتهامات راحت لآدم.
القضية كانت معقدة.
وفي النهاية…
خرج من السجن بعد ما ثبت إن فيه تزوير.
لكن بعد فوات الأوان.
الشركة اتصفت.
وكل أملاكه اتحجز عليها.
سألته:
“ليه ما رجعش يشتغل؟”
قال بحزن:
“حاول.”
“لكن كل الناس كانت فاكرة إنه نصاب.”
ثم فتح ملفًا آخر.
وقال:
“وفيه حاجة أهم.”
مد لي صورة بنت صغيرة.
عندها حوالي ست سنين.
“دي بنته… ليان.”
قلبي انقبض.
“فين هي؟”
تنهد.
“أمها سافرت بيها بره مصر.”
“ومن يومها… ما شافهاش.”
نزلت دموعي.
في اللحظة دي…
رن تليفون حسام.
رد بسرعة.
وفجأة وقف من مكانه.
وشه اتغير.
قال بصوت مرتفع:
“إنت متأكد؟”
قفل المكالمة.
وبص لي.
“لقيناه.”
قمت بسرعة.
“فين؟”
قال:
“في المستشفى.”
“وقع في الشارع وهو فاقد الوعي.”
جريت ناحية الباب.
وقلبي بيدق بجنون.
وأول ما وصلت المستشفى…
شفت الأطباء بيجروا.
وممرضة خرجت وهي بتقول:
“الحقوا… المريض دخل في توقف مفاجئ.”
وقفت مكاني…
وحسيت إن الأرض بتميد بيا.
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *