اما بعد الوداع حكايات أسما السيد ×3
الفصل السابع
فضلت أبص للشاشة…
ورقم واحد بس…
بيلف في دماغي.
317.
قلت للمحامي:
“خزينة فين؟”
هز كتفه.
وقال:
“ممكن بنك…”
“ممكن شركة…”
“أو حتى محطة قطار.”
لكن كان عندي إحساس…
إن بابا مستحيل يسيب حاجة مهمة…
في مكان عشوائي.
رجعت البيت.
وقعدت أقلب في أوراقه القديمة.
دفاتر…
مفكرات…
صور…
إيصالات.
لحد ما لقيت مفكرة جلد بني.
آخر صفحة فيها…
كان مكتوب بخط إيده:
“الأمانة لا تُفتح إلا بالمفتاح.”
وتحتها…
رقم صغير.
317.
وفي جيب المفكرة…
كان فيه مفتاح نحاسي صغير.
قلبي دق بسرعة.
تاني يوم…
بدأنا ندور.
لفينا أكتر من بنك.
ولا خزينة فتحت.
وفي آخر اليوم…
افتكر المحامي حاجة.
قال:
“والدك كان عنده اشتراك قديم…”
“في شركة خزائن خاصة.”
روحنا هناك.
الموظف بص للمفتاح.
وشه اتغير.
وقال:
“لحظة واحدة.”
دخل المدير بنفسه.
وسألني:
“حضرتك سارة؟”
قلت:
“أيوه.”
قال:
“والد حضرتك وصانا…”
“إن محدش يفتح الخزينة…”
“إلا بحضورك.”
مشيت وراه.
لحد ما وصلنا لغرفة حديد ضخمة.
وقف قدام باب مكتوب عليه…
317.
حطيت المفتاح.
لفيته.
الباب اتفتح ببطء.
كان جواه…
صندوق خشب فاخر.
فتحته.
لقيت ملفات.
وعقود.
وفوقهم ظرف أبيض.
مكتوب عليه:
“إلى بنتي سارة.”
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الظرف.
كانت رسالة بخط بابا.
“يا بنتي…
لو وصلتي للرسالة دي…
يبقى عرفت إن الناس اللي وثقت فيهم…
خانوا الأمانة.
أنا كنت عارف…
إن أخويا حسام…
طماع.
وعشان كده…
ماسيبتلوش أي سلطة.
ولو لقيتي نفسك لوحدك…
ماتخافيش.
لأن الدليل الحقيقي…
مش في الفلوس.
الدليل…
في الملف الأزرق.”
دورت بسرعة.
لقيت ملف أزرق كبير.
فتحته.
وأول صفحة…
خلت المحامي يقف من مكانه.
كانت شهادة ملكية.
لكن مش لأي حاجة.
كانت تثبت…
إن الشركة اللي كريم…
وعمي…
كانوا فاكرين إنها ملكهم…
كانت قانونًا…
باسمي أنا.
من قبل جوازي بخمس سنين.
وكل العقود…
اللي اتعملت بعدها…
باطلة.
المحامي ابتسم لأول مرة.
وقال:
“دي مش مجرد ورقة.”
“دي هتنسف كل دفاعهم.”
لكن لسه كان فيه ظرف تاني.
صغير.
ومقفول بالشمع الأحمر.
فتحته.
لقيت صورة قديمة.
بابا واقف فيها…
جنب راجل غريب.
خلف الصورة…
كان مكتوب:
“لو قابلتِ فؤاد المنصوري… اعرفي إنه الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة.”
رفعت رأسي.
وقلت:
“مين فؤاد المنصوري؟”
المحامي سكت ثواني.
وبعدين قال:
“لو هو نفس الشخص اللي أعرفه…”
“يبقى إحنا لسه ماقربناش من نهاية الحكاية.”
وفي نفس اللحظة…
رن هاتفي.
رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت رجل مسن.
قال بهدوء:
“أنا فؤاد المنصوري.”
“وأعتقد…
إن الوقت جه…
أقولك مين قت/ل أبوكي فعلًا.”
وقعت مني السماعة…
لأن طول السنين…
كنت فاكرة إن أبويا مات…
موتة طبيعية.
الفصل الثامن
اتجمدت مكاني…
والتليفون كان لسه في إيدي.
قلت بصوت متقطع:
“حضرتك… قلت إيه؟”
جالي نفس الصوت الهادئ.
“قولت إن والدك… ما ماتش موتة طبيعية.”
قلبي بدأ يدق بعنف.
قلت:
“إنت مين؟”
رد:
“أنا فؤاد المنصوري.”
“وكنت شريك والدك… وأقرب صديق ليه.”
“بس مكالمات التليفون مش مكان الكلام ده.”
سألته بسرعة:
“أقابلك فين؟”
قال:
“بعد ساعة.”
“في الفيلا القديمة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي.”
“ولو اتأخرتي…”
“يمكن ما تشوفينيش تاني.”
وقفل الخط.
…
المحامي أصر ييجي معايا.
وصلنا قبل الموعد بعشر دقايق.
الفيلا كانت مهجورة.
الشبابيك مقفولة.
والحديقة مليانة حشائش.
دخلنا بحذر.
ولقينا راجل كبير…
قاعد على كرسي خشب.
شعره كله أبيض.
لكن عينيه…
كان فيهم نفس القوة.
أول ما شافني…
قام بصعوبة.
وقال:
“بقيتي نسخة من أبوكي.”
دموعي نزلت.
سألته:
“مين ق/تل بابا؟”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“قبل ما أجاوب…”
“لازم تعرفي الحقيقة كلها.”
طلع ملف قديم.
وحطه قدامي.
وقال:
“والدك اكتشف شبكة بتغسل مليارات الجنيهات…”
“عن طريق شركات عقارات.”
“وكان أول واحد…”
“رفض يشارك.”
فتحت الملف.
لقيت توقيعات.
وأسماء.
وبينهم…
اسم عمي حسام.
واسم كريم.
لكن كان فيه اسم تالت…
متكرر في كل ورقة.
الاسم اللي كان عمي خايف ينطقه.
نبيل الشافعي.
فؤاد قال:
“ده الراجل اللي كان بيدير كل حاجة.”
“وكل اللي قبض عليهم…”
“كانوا مجرد أدوات.”
قلت:
“وبابا؟”
تنهد.
وقال:
“قرر يبلغ الجهات المختصة.”
“لكن الخبر وصل لنبيل.”
“وقبل موعد البلاغ بيوم…”
“والدك اتسمم.”
شهقت.
“يعني… مقتول؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
“والتقرير الطبي اتزور.”
“وشهادة الوفاة اتغيرت.”
حسيت الدنيا بتلف بيا.
كل السنين دي…
كنت بزور قبر أبويا…
وأقول إنه مات بسبب أزمة قلبية.
لكن الحقيقة…
إن حد ق/تله.
…
وفجأة…
سمعنا صوت عربية وقفت برا الفيلا.
المحامي جرى ناحية الشباك.
ورجع وهو متوتر.
وقال:
“إحنا مش لوحدنا.”
فؤاد اتغير لون وشه.
وقال بسرعة:
“هما عرفوا إني كلمتك.”
وقبل ما يكمل…
اتكسر باب الفيلا بعنف.
ودخل ثلاثة رجال ملثمين.
واحد منهم صرخ:
“هاتوا الملف…”
“واقت/لوا أي حد يقاوم!”
في اللحظة دي…
عرفت إن القض/ية…
لسه ما بدأتش.
وإن المعركة المرة دي…
مش على فلوس.
لكن على الحقيقة…
اللي ناس مستعدة تق/تل علشان تفضل مدفونة.
الفصل التاسع
أول ما الملثمين دخلوا…
شدني المحامي من إيدي.
وقال بصوت واطي:
“انزلي!”
رمينا نفسنا ورا الكنبة…
وفي نفس اللحظة…
دوّى صوت طلق نار.
الزجاج اتكسر…
والمكان كله اتقلب.
فؤاد كان لسه واقف.
صرخ فيهم:
“الملف مش هنا!”
لكن واحد منهم زقه بقوة.
وقع على الأرض.
وقبل ما يقربوا منه…
ضغط فؤاد بإيده على زر صغير…
كان مستخبي تحت ترابيزة خشب.
فجأة…
اشتغل إنذار عالي.
وأبواب حديد نزلت على مداخل الفيلا.
الملثمين اتوتروا.
واحد منهم صرخ:
“اخرجوا بسرعة!”
لكن فات الأوان.
الباب الرئيسي اتقفل.
وبعد أقل من دقيقتين…
سمعنا صوت سيارات الشرطة.
واضح إن فؤاد…
كان عامل نظام استغاثة من سنين.
الملثمين حاولوا يهربوا.
لكن قوات الأمن دخلت من الباب الخلفي.
وفي دقائق…
كانوا كلهم مقبوض عليهم.
…
بعد ما الدنيا هديت…
الإسعاف أخد فؤاد.
قبل ما يركب العربية…
مسك إيدي بقوة.
وحط مفتاح صغير في كفي.
وقال بصعوبة:
“المكتب…”
“افتحي… الدرج الأخير.”
“ومتثقيش…”
“في أي حد.”
سألته بسرعة:
“مين؟”
لكن عينه قفلت.
والأطباء خدوه بسرعة.
…
رجعنا بيته.
كان مكتبه قديم…
ومليان كتب.
دورت على الدرج الأخير.
المفتاح فتحه بسهولة.
لقيت ظرف أسود.
ومكتوب عليه:
“لا يُفتح إلا إذا فشلت كل الخطط.”
فتحته.
كان جواه دفتر صغير.
كل صفحة فيه…
بتحكي اجتماع.
وتاريخ.
وأسماء.
وفي آخر الدفتر…
قائمة كاملة.
أسماء رجال أعمال.
ومسؤولين.
وموظفين.
كل واحد قدام اسمه…
المبلغ اللي قبضه.
لكن الاسم الأخير…
خلاني أقف مكاني.
المستشار أشرف السيوفي.
المحامي خطف الدفتر من إيدي.
وقال بصدمة:
“مستحيل…”
قلت:
“إيه؟”
قال:
“ده القاضي…”
“اللي محدد ينظر قض*ية كريم الأسبوع الجاي.”
سكتنا إحنا الاتنين.
لو الدفتر ده صحيح…
يبقى الق*ضية كلها…
كانت هتتقفل…
قبل ما الحقيقة تظهر.
وفي نفس اللحظة…
رن هاتف المحامي.
رد.
وسمعته بيقول:
“إزاي؟!”
قفل المكالمة…
وبصلي.
وشه كان شاحب.
قلت بخوف:
“في إيه؟”
قال بصوت مبحوح:
“فؤاد…”
“اختفى من المستشفى.”
“الكاميرات سجلت إنه خرج ماشي…”
“رغم إنه كان بين الحياة والموت.”
في اللحظة دي…
وصلت رسالة إلى هاتفي من رقم مجهول.
فتحتها.
كان فيها سطر واحد فقط:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة الأخيرة… تعالي لوحدك. وأوعي تثقي حتى في محاميك.”
وقبل ما أرفع رأسي…
لاحظت إن المحامي…
كان بيبص للموبايل في إيدي…
وكأنه عارف الرسالة…
قبل ما أقراها…
الفصل العاشر
رفعت عيني…
وبصيت للمحامي.
كان لسه مركز مع شاشة موبايلي.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
“مين بعت؟”
قفلت الشاشة بسرعة.
وقلت:
“رقم غلط.”
هز راسه…
لكن حسيت إنه ما اقتنعش.
خرجنا من المكتب.
ومن أول ما ركبنا العربية…
فضلت ساكتة.
كل كلمة قالها فؤاد…
رجعت تدور في دماغي.
“ما تثقيش في أي حد.”
حتى محاميك.
كنت طول الوقت بعتبر المحامي…
أكتر شخص وقف جنبي.
لكن الرسالة…
زرعت جوايا شك…
ماكنتش قادرة أتجاهله.
…
وصلت البيت.
استنيت لحد نص الليل.
لبست هدوم سودة.
وخدت الملف.
ونزلت من غير ما أقول لحد.
الرسالة كان فيها عنوان…
مخزن قديم…
في المنطقة الصناعية.
لما وصلت…
المكان كان ضلمة.
والهدوء مخيف.
وفجأة…
سمعت صوت.
“عرفت إنك هتيجي.”
لفيت بسرعة.
كان فؤاد.
واقف…
لكن كتفه متربط.
وشكله مرهق.
جريت ناحيته.
وقلت:
“إنت عايش؟”
ابتسم.
وقال:
“كان لازم الكل يفتكر إني اختفيت.”
“عشان أعرف أتحرك.”
سألته:
“ليه قلتلي ما أثقش في المحامي؟”
سكت ثواني.
وقال:
“أنا ما قلتش إنه خاين.”
“قلت ماتثقيش في حد.”
“في فرق.”
اتنفست براحة بسيطة.
لكنه كمل:
“لأن الشبكة…
كانت أكبر من أي حد يتخيل.”
طلع ظرف صغير.
وسلمهولي.
وقال:
“افتحيه.”
فتحت الظرف.
لقيت صورة قديمة.
أنا…
وعندي حوالي عشر سنين.
وبجانبي…
أبويا.
ورجل تالت.
بصيت لفؤاد.
وقلت:
“مين ده؟”
قال بهدوء:
“الراجل ده…
هو اللي أنقذ حياة والدك مرة.”
“وبعدها بسنين…
كان آخر واحد شافه قبل وفاته.”
قلبت الصورة.
لقيت اسم مكتوب بخط إيد بابا.
“الدكتور سليم النجار.”
قلت باستغراب:
“دكتور؟”
هز رأسه.
وقال:
“كان الطبيب الخاص بوالدك.”
“وهو الوحيد…
اللي يعرف التقرير الطبي الحقيقي.”
وقبل ما أسأله أي سؤال…
سمعنا صوت عربية بتقف برة المخزن.
فؤاد اتغيرت ملامحه.
وقال بسرعة:
“خبي الظرف.”
“هما وصلوا.”
الأضواء دخلت من باب المخزن.
وصوت خطوات بدأ يقرب.
لكن اللي صدمني…
إن أول شخص دخل…
ماكانش واحد من رجال العصابة.
كان المحامي.
وقف قدامي…
ورفع إيده بهدوء.
وقال:
“سارة…
قبل ما تحكمي عليا…
اسمعيني.”
وفي اللحظة نفسها…
ظهر شخص تاني من خلفه.
ابتسم وهو بيبص لفؤاد.
وقال:
“أخيرًا…
اتجمعنا كلنا.”
ولأول مرة…
شفت الدكتور سليم النجار…
الاسم اللي فضل مستخبي في الظل…
من يوم وفاة والدي.
الفصل الحادي عشر
بصيت للمحامي…
وبعدين للدكتور سليم.
قلبي كان بيدق بعنف.
قلت:
“مين فيكم بقول الحقيقة؟”
المحامي رفع إيده.
وقال بهدوء:
“لو كنت عايز أأذيكي…”
“ماكنتش هاجي لوحدي.”
أما الدكتور سليم…
ففضل ساكت.
كان باصص لفؤاد.
وكأن بينهم حكاية عمرها سنين.
فؤاد كسر الصمت.
وقال:
“احكيلها.”
تنهد الدكتور.
وقعد على كرسي حديد قديم.
وقال:
“من عشرين سنة…”
“أنا كنت الطبيب الخاص بوالدك.”
“وفي الليلة الأخيرة…”
“اتصل بيا.”
“وقالي إنه اكتشف إن أقرب الناس ليه…”
“باعوه.”
حسيت دموعي بتنزل.
سألته:
“مين؟”
رد:
“مكانش شخص واحد.”
“كانت مجموعة.”
“وكل واحد كان فاكر إنه هيكسب.”
المحامي فتح الملف اللي معاه.
وقال:
“وده سبب إننا ما قدرناش نقفل القض*ية.”
“كل ما نمسك طرف…”
“يطلع وراه طرف أكبر.”
الدكتور طلع من جيبه ظرف أصفر قديم.
حطه قدامي.
وقال:
“ده التقرير الطبي الأصلي.”
فتحته بإيدي المرتعشة.
كانت أول جملة فيه:
“لا توجد أي علامات تدل على وفاة طبيعية.”
وقبلها بخط صغير…
“يُشتبه في وجود مادة سامة نادرة.”
شهقت.
قلت:
“يعني بابا…”
هز الدكتور رأسه.
“أيوه.”
“التقرير اتبدل بعدها بساعات.”
“وأُجبرت إني أسكت.”
المحامي سأله:
“مين أجبرك؟”
رد وهو مغمض عينيه:
“هددوا ولادي.”
ساد الصمت.
محدش قدر يلومه.
بعد لحظات…
طلع فؤاد ورقة مطوية من جيبه.
وقال:
“أنا احتفظت بدي…”
فتحها.
كانت نسخة من خطاب بخط والدي.
بدأت أقرأ بصوت مرتعش:
“إذا وصل الخطاب ده لسارة…
فمعنى كده إنهم نجحوا في إسكاتي.
يا بنتي…
أنا يمكن أموت…
لكن أوعي تخلي الكراهية تعيش جواكي.
دوري على الحق…
مش على الانتقام.
ولو استرديتي حقك…
سامحي نفسك…
وابدئي من جديد.”
وقفت عن القراءة.
دموعي كانت مغرقة الورقة.
في اللحظة دي…
رن هاتف المحامي.
رد بسرعة.
ثم اتغير لون وشه.
قفل المكالمة…
وبص لنا.
وقال:
“في خبرين.”
“واحد كويس…”
“وواحد صعب.”
قلت:
“ابدأ بالصعب.”
قال:
“كريم…”
“طلب يدلي باعتراف جديد.”
سألته:
“والخبر الكويس؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:
“الاعتراف ده…”
“هيكشف مكان الدليل الأخير.”
فؤاد قام من مكانه ببطء.
وقال:
“لو كريم اتكلم فعلًا…”
“يبقى اللعبة انتهت.”
لكن في أعماقي…
كان عندي إحساس مختلف.
لأن الناس اللي خططت لكل ده…
ماكانوش هيسيبوا كريم يتكلم بسهولة.
وكان السؤال الوحيد اللي بيلف في دماغي…
هل هيعيش كريم لحد ما يقول الحقيقة… أم هيسكت للأبد قبل ما ينطق؟