يوسف مراد حكـايـات أسمـا ×٣
الجزء الثالث والأخير: الابنان
دخلوا البيت.
سحر قفلت الباب، وأنزلت الستائر.
أمينة وقفت قدامها.
سنين كاملة كانت تتخيل أم يوسف الحقيقية.
مرات تتخيلها ميتة.
مرات تتخيلها شريرة.
لكنها لم تتخيلها امرأة مكسورة مثلها.
قالت أمينة:
— إنتِ أم يوسف؟
سحر ردت:
— وإنتِ أمه.
— أنا ربيته.
— وأنا ولدته.
سكتوا.
ثم سحر قالت:
— ما ينفعش نضيع وقت في تحديد مين أحق. يوسف محتاجنا إحنا الاتنين.
ليان قربت.
— هو فين؟
سحر قالت:
— في مستشفى مراد القديم.
كريم قال:
— المستشفى مقفولة من سنين.
— الظاهر بس.
— وليه رجع له؟
سحر بصت للطفل.
— مراد عرف إن ليان خلفت.
ليان ضمت ابنها.
— هو ما شافوش.
— مش محتاج. عنده ناس بتراقبك.
أمينة قالت:
— يوسف راح له علشان يحمي ابنه؟
— أيوه.
— ومراد طلب إيه؟
— إن يوسف يعمل تحليل يثبت إنه مات فعلًا.
كريم قال:
— إزاي؟
— ياخدوا عينة جديدة، ويسجلوها باسم الج*ثة المدفونة.
أمينة فهمت.
— يقفلوا أي شك.
سحر هزت راسها.
— وبعدها يقتلوا يوسف الحقيقي.
ليان بدأت تبكي.
— لازم نروح.
كريم قال:
— الشرطة.
سحر ردت بسرعة:
— مراد عنده ناس جوه الشرطة.
— مش كلهم.
— جربت قبل كده.
أمينة قالت:
— عندي شخص واحد أثق فيه.
اتصلت بضابط كان صديق يوسف في الجامعة، اسمه الرائد حازم.
لما سمع القصة، سكت طويلًا.
ثم قال:
— من خمس سنين وأنا شاكك إن حادث يوسف مش طبيعي.
— ليه ما قلتش؟
— ملف الحادث اتقفل بأوامر فوقية.
— تقدر تساعد؟
— ابعتي الموقع، وما تتحركوش قبل ما أوصل.
سحر قالت:
— لو استنينا، يوسف يموت.
كريم فتح خريطة.
— فيه نفق خدمة يدخل المستشفى من الخلف.
— تعرفه منين؟
— أنا اشتغلت في قض*ية تخص المكان.
ليان قالت:
— نروح.
أمينة بصت لها.
— إنتِ والطفل تفضلوا هنا.
— مستحيل.
— يوسف راح يحميكم. ما ينفعش ناخدكم للخطر.
ليان بكت.
— وهو لو مات؟
أمينة قربت منها.
— مش هيموت.
قالتها بثقة لم تكن تشعر بها.
خرجت أمينة مع سحر وكريم.
لأول مرة، كانت تسير بين ابنيها بشكل غريب.
واحد بجوارها.
والآخر ينتظرها في الموت.
وصل حازم مع فريق صغير يثق بهم.
قال:
— القوة الكبيرة هتلفت النظر. ندخل بهدوء، وبعد ما نثبت وجود يوسف، نطلب الدعم.
دخلوا من النفق.
الرطوبة كانت عالية.
والظلام كثيف.
سحر كانت تعرف الطريق.
أمينة سألتها:
— كنتِ هنا قبل كده؟
— اتحبست هنا بعد ولادتي.
— قد إيه؟
— تلات سنين.
كريم بص لها بصدمة.
— ليه؟
— علشان ما أتكلمش.
— وخرجتي إزاي؟
— مراد افتكر إني فقدت الذاكرة.
أمينة قالت:
— لكنه ما قتلكيش.
سحر ردت:
— كان محتاج توقيعي على أوراق الأطفال.
وصلوا لباب معدني.
كريم فتحه بمفتاح قديم.
خرجوا لممر المستشفى.
صوت أجهزة جاء من بعيد.
حازم أشار لهم يسكتوا.
تحركوا.
من غرفة في آخر الممر، سمعوا صوت مراد.
— وقّع.
صوت يوسف رد:
— ابني الأول.
أمينة حطت إيدها على بقها.
صوت ابنها.
حي.
مراد قال:
— الطفل آمن.
— عايز أشوفه.
— مش من حقك تحط شروط.
يوسف رد:
— من غير توقيعي مش هتعرف تقفل الملف.
حازم نظر من فتحة الباب.
همس:
— يوسف مربوط. مراد معاه اتنين مسلحين.
سحر قالت:
— وفيه باب تاني من غرفة العمليات.
كريم قال:
— أوصل له.
— لأ.
— أنا ابنه.
أمينة قالت:
— إنت ابني أنا.
الجملة خرجت لأول مرة.
كريم بص لها.
عينيه لمعت.
قال:
— وعلشان كده لازم أساعد أخويا.
تحرك كريم وسحر من طريق جانبي.
أمينة فضلت مع حازم.
داخل الغرفة، مراد قرب من يوسف.
— أمينة شافت الطفل.
يوسف رفع راسه.
— لو قربت منهم…
— هتعمل إيه وإنت مربوط؟
— هقتلك.
مراد ضحك.
— أنا أنقذتك من خمس سنين.
— إنت أنقذت نفسك.
— كنت ممكن أسيبك في العربية.
— وإنت اللي حطيتني فيها.
مراد ضربه.
أمينة كادت تفتح الباب.
حازم مسكها.
همس:
— استني.
مراد قال:
— أمك أمينة كانت سعيدة بالطفل اللي اديتهولها.
يوسف رفع عينه.
— ما تجيبش سيرتها.
— هي سرقتك من أمك الحقيقية.
أمينة دموعها نزلت.
يوسف رد:
— هي ما سرقتنيش. إنت اللي سرقتنا إحنا الاتنين.
سحر وصلت للباب الخلفي.
كريم معها.
حازم أعطى الإشارة.
اقتحموا.
— شرطة! ارموا السل*اح!
أحد الرجال ضرب النار.
حازم رد.
سحر جرت ناحية يوسف.
مراد مسك يوسف من رقبته، ووضع المسد..س على رأسه.
— محدش يقرب!
أمينة دخلت.
مراد شافها.
ابتسم.
— رجعنا لبعض.
أمينة قالت:
— سيبه.
— ده ابني.
— عمره ما كان ابنك.
— في الورق ابني.
سحر قالت:
— الورق هيتحرق.
مراد بص لها.
— إنتِ لسه عايشة؟
— وده كان أكبر غلط عملته.
مراد قال:
— كلكم عايزين يوسف. محدش سأل هو ابن مين فعلًا.
أمينة ردت:
— هو مش ملك حد.
يوسف بص لها.
دموعه نزلت.
— أمي.
الكلمة خرجت لأمينة.
سحر سمعتها.
لكنها لم تغضب.
قالت:
— روح لأمك يا يوسف.
مراد شدّه.
— محدش هيروح.
كريم ظهر خلفه.
قال:
— سيبه يا بابا.
مراد لف بصدمة.
— كريم؟
— أنا مش ابنك.
— أنا اللي ربيتك.
كريم رد:
— زي ما أمينة ربت يوسف. الفرق إنها حبته، وإنت استخدمتني.
مراد قال:
— أمينة أمك الحقيقية.
— عارف.
مراد بص لأمينة.
— لقيتي ابنك إذن.
— لقيت ابنيْن.
مراد ضحك.
— مستحيل تكسبي الاتنين.
كريم قرب.
— خلينا نعمل صفقة.
— إيه؟
— سيب يوسف، وخدني.
أمينة صرخت:
— لأ!
مراد قال:
— وليه آخدك؟
— لأن كل أوراق المستشفى باسمي كمحامي. أنا الوحيد اللي أقدر أوقف التحقيقات.
مراد تردد.
يوسف قال:
— ما تصدقوش.
كريم قرب خطوة.
— أنا تعبت من إني أعيش ابن ناس مش عايزاني.
أمينة فهمت أنه يمثل.
مراد حرّك المسد..س عن رأس يوسف لحظة.
كريم اندفع.
مسك إيده.
خرجت طلقة.
أمينة صرخت.
يوسف وقع.
سحر جرت له.
حازم ورجاله سيطروا على المسلحين.
كريم تشابك مع مراد.
المسد..س وقع.
مراد دفعه ناحية طاولة حديد.
أمينة التقطت المسد..س.
وجهته لمراد.
— ابعد عنه.
مراد توقف.
— هتضربيني؟
— لو قربت.
— إنتِ ما تقدريش.
— جرب.
مراد ضحك.
— سبعة وعشرين سنة وإنتِ عايشة بكذبة أنا صنعتها.
أمينة قالت:
— والكذبة دي طلعت أحسن حاجة في حياتي.
— يوسف مش ابنك.
— ابني.
— كريم هو دمك.
— وابني.
— لازم تختاري.
أمينة ردت:
— دي مشكلتك. إنت طول عمرك فاكر الحب يختار واحد.
حازم كبّل مراد.
يوسف كان على الأرض.
الطلقة أصابت كتفه.
سحر ضغطت على الجرح.
قال يوسف بصعوبة:
— ليان؟
أمينة ركعت بجانبه.
— هي والطفل كويسين.
— شوفتيه؟
ابتسمت وسط دموعها.
— شبهك.
يوسف بكى.
— أنا آسف.
— على إيه؟
— سيبتك.
— إنت رجعت.
— بعد خمس سنين.
— المهم رجعت.
مد يده لسحر.
— ماما.
سحر أمسكتها.
ثم مد يده لأمينة.
— أمي.
أمسكتها أيضًا.
كريم وقف بجانبهم.
يوسف بص له.
— إنت كريم؟
— أيوه.
— أخويا؟
كريم ابتسم.
— شكلها كده.
يوسف قال:
— أنا خدت أمك.
كريم رد:
— وإنت سيبتها أحسن مما لقيتها.
أمينة بكت وضحكت.
وصل الإسعاف.
نقلوا يوسف.
مراد اتقبض عليه.
في التحقيقات، ظهرت شبكة تبديل الأطفال.
عشرات الملفات.
أسر دفعت.
أطفال عاشوا بأسماء غير أسمائهم.
وأمهات قيل لهن إن أبناءهن ماتوا.
سحر شهدت.
كريم فتح القضايا.
وحازم أعاد التحقيق في حادث يوسف والجث*ة المجهولة.
اتضح أن مراد دبّر الحادث لما عرف أن يوسف بدأ يبحث في ملف ولادته.
لكنه أخرجه قبل الحريق، وخبأه بهوية جديدة ليستعمله إذا ظهرت تحاليل أو أدلة.
بعدها بأشهر، يوسف تعافى.
رجع إلى ليان.
حمل ابنه للمرة الأولى من غير خوف.
أمينة كانت واقفة أمامه.
قال لها:
— سميتيه يوسف ليه؟
ليان قالت:
— علشان لو ما رجعتش، يفضل اسمك موجود.
يوسف بكى.
قبّل رأس ابنه.
أما كريم، فاحتاج وقتًا.
لم يستطع أن يقول لأمينة “ماما” بسهولة.
في أول الشهور، كان يناديها “مدام أمينة”.
ثم “أمينة”.
وفي يوم، وهو خارج من البيت، قال من غير ما يقصد:
— سلام يا أمي.
وقف عند الباب.
أمينة لم ترد.
خافت إن تكلمت تبكي.
كريم لف لها.
قال:
— سمعتي؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— ممكن آخد وقتي؟
قالت:
— خد عمرك كله. أنا مستنياك من سبعة وعشرين سنة.
حضنها.
سحر لم تختفِ من حياتهم.
أمينة لم تحاول أخذ مكانها.
كان ليوسف أمان.
اثنتان.
واحدة ولدته.
وواحدة ربته.
وكان لكريم أيضًا أمّان بطريقة مختلفة.
أم أعادها الدم.
وأم بالتبني، رغم أنها شاركت في الكذبة، اضطر إلى مواجهتها في المحكمة قبل أن يقرر قطع علاقته بها.
في أول جمعة بعد خروج يوسف من المستشفى، رجعوا جميعًا للمقابر.
أمينة.
يوسف.
ليان.
كريم.
سحر.
والرضيع الصغير.
وقفوا أمام القبر.
يوسف قرأ اسمه المنقوش على الرخام.
قال:
— إحساس غريب إن الواحد يقف قدام قبره.
كريم قال:
— فرصة نادرة جدًا.
ليان ضربته بخفة.
ضحكوا.
أمينة وضعت وردة.
يوسف سأل:
— مين المدفون هنا؟
حازم كان أكمل البحث.
قالت أمينة:
— شاب اسمه محمود. أهله كانوا بيدوروا عليه من خمس سنين.
— ورجع لهم؟
— رجعنا جثمانه.
يوسف قرأ الفاتحة له.
ثم قال:
— لازم نشيل اسمي.
أمينة ردت:
— شلناه رسميًا.
— والرخام؟
ابتسمت.
— هنغيره.
— نكتب إيه؟
بصت للطفل في حضن ليان.
وقالت:
— نكتب اسم صاحبه الحقيقي.
سكتوا احترامًا للشاب الذي دُفن تحت اسم غريب.
قبل أن يغادروا، أمينة نظرت للمكان الذي رأت فيه ليان أول مرة.
كانت تظن أن فتاة غريبة تحمل رضيعًا جاءت لتفتح جرحها.
لكنها كانت تحمل عائلتها كلها.
ابنًا ميتًا عاد حيًا.
ابنًا ضائعًا عاد رجلًا.
وأمًا سُرق منها طفلها، لكنها لم تأتِ لتأخذ، بل لتشارك.
يوسف وقف بجانبها.
قال:
— زعلانة مني؟
— جدًا.
— هتسامحيني؟
— بعد كام سنة.
ضحك.
— أستاهل.
ثم ضمها.
قالت له:
— إنت ابني، سواء السوار قال إيه أو التحليل قال إيه.
بص لكريم.
— وإنت كمان ابني، حتى لو لسه بنتعلم بعض.
سحر قالت:
— وأنا؟
أمينة مدت يدها لها.
— إنتِ الست اللي ولدت ابني، وأنا الست اللي ربته. شكلنا هنضطر نستحمل بعض.
سحر ضحكت.
— واضح.
تحركوا ناحية البوابة.
المطر كان خفيفًا، مثل اليوم الأول.
لكن أمينة لم تكن وحدها.
كانت تمشي بين يوسف وكريم.
وأمامها ليان تحمل يوسف الصغير.
وسحر بجانبهم.
لأول مرة، لم تكن الحقيقة قبرًا.
كانت بابًا.
فتح متأخرًا.
لكن من خلفه، خرج كل من ظنت أنهم ماتوا أو ضاعوا.
وقبل أن يركبوا السيارة، ناداها يوسف:
— يا أمي.
لفت.
كان هو وكريم واقفين معًا.
قال كريم:
— مين فينا قصدك؟
يوسف ابتسم.
— هي عارفة.
أمينة ردت:
— أنتم الاتنين.
النهاية