فني تكيف اسما السيد

“اشتريت تكييف جديد… وبعتوا الفني يركبه. أول ما فتحت الباب، اتجمدت مكاني… كان طليقي واقف قدامي، وهو آخر شخص في الدنيا كنت عايزة يعرف عنواني.”

الجزء الأول

من ست شهور…

خرجت من جوازة كنت فاكرة إني مش هطلع منها عايشة.

طليقي حسام…ماكانش بيعرف يعني إيه احترام.

كان بيعتبرني ملك ليه…ولو خرجت من البيت من غير إذنه…

كانت تقوم خناقة.

ولما طلبت الطلاق…

رفض في الأول.

ولما حصل…

فضل يراقبني.

يبعت ناس يسألوا عني.

ويتصل من أرقام غريبة.

عشان كده…

أول ما نقلت لشقتي الجديدة، ما قلتش العنوان غير لأبويا وأمي وأخويا.

حتى أقرب صحابي…

ماعرفوش أنا ساكنة فين.

كنت عايزة أبدأ من جديد.

وبعد كام شهر…

قررت أشتري تكييف.

اتفقت مع الشركة على المعاد.

وقالولي:

— الفني هيكون عند حضرتك الساعة 11 الصبح.

جيت المعاد.

سمعت جرس الباب.

فتحت وأنا مبتسمة.

لكن الابتسامة اختفت في ثانية.

كان واقف قدامي…

حسام.

لابس يونيفورم الشركة.

وشايل شنطة العِدّة.

هو كمان اتصدم أول ما شافني.

فضل يبصلي كام ثانية…

وبعدين ابتسم ابتسامة خلت جسمي يقشعر.

وقال بهدوء:

— سبحان الله… الدنيا صغيرة أوي.

حاولت أقفل الباب في وشه.

لكنه حط رجله قبل ما الباب يتقفل.

وقال:

— أنا جاي أركب التكييف… ولو رفضتي، هتدفعي قيمة الزيارة والشركة هتبعتني تاني بكرة.

قلبي كان بيدق بعنف.

لكن قلت لنفسي…

أخلص منه في عشر دقايق ويمشي.

دخل الشقة.

وبدأ يركب التكييف.

الغريب…

إنه ما اتكلمش.

ولا حاول يقرب مني.

خلص شغله.

وسلمني الضمان.

ومشى.

قفلت الباب ورا ضهره…

وأخدت أول نفس مرتاح.

قلت الحمد لله…

عدّت على خير.

لكن بعد أقل من ساعة…

جرس الباب رن تاني.

بصيت من العين السحرية…

ماكانش حسام.

كان اتنين رجالة غُرب.

واحد فيهم ماسك ورقة.

وأول ما فتحت شوية…

قال ببرود:

— إنتِ الأستاذة…؟ إحنا جايين من طرف الأستاذ حسام. قال لنا إن الحاجة اللي بيدور عليها موجودة جوه الشقة دي… ولازم نفتشها…
وقبل ما اسال واقول حاجه ايه دخل هو وووو
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الجزء الثاني
في اللحظة اللي الراجل قال فيها:
— إحنا جايين من طرف الأستاذ حسام… لازم نفتش الشقة.
حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
رجعت خطوة لورا.
وقبل ما أستوعب اللي بيحصل…
اتفتح باب السلم بسرعة.
ودخل حسام.
كان ما زال لابس يونيفورم الشركة.
لكن ملامحه كانت مختلفة.
وشه جامد.
وعينيه بتلف بيني وبين الراجلين.
قال بصوت حاد:
— مين سمح لكم تطلعوا هنا؟
الراجل اللي كان ماسك الورقة رد باستغراب:
— مش إنت اللي بعتلنا العنوان؟
قطب حسام حاجبيه.
وخطف الورقة من إيده.
قرأها بسرعة.
ثم بص لهم بغضب وقال:
— أنا معرفكوش أصلاً… والعنوان ده مين إداهولكم؟
أنا كنت واقفة مش فاهمة أي حاجة.
بصيت لحسام.
وقلت بعصبية:
— هو إيه اللي بيحصل؟ مش هما قالوا إنك اللي باعتهم؟
هز راسه بالنفي.
وقال:
— أول مرة أشوفهم.
الراجل التاني حاول يتكلم.
لكن حسام قاطعه.
— انزلوا من هنا حالًا… قبل ما أكلم الشرطة.
الراجلين بصوا لبعض.
واضح إنهم اتوتروا.
ولفوا بسرعة ونزلوا السلم من غير كلمة.
فضل حسام واقف يبص وراهم لحد ما اختفوا.
بعدها لف ناحيتي.
وقال:
— اقفلي الباب كويس.
صرخت فيه:
— إنت مالكش دعوة بيا… امشي.
وقف ساكت ثواني.
ثم قال:
— كنت همشي… بس اللي حصل ده مش طبيعي.
قفلت الباب في وشه.
ولفيت المفتاح مرتين.
وسندت ضهري عليه.
إيديا كانت بتترعش.
مين دول؟
وليه عرفوا عنواني؟
ولو مش حسام…
يبقى مين؟
فضلت طول الليل منمتش.
كل صوت في العمارة كان بيرعبني.
وكل ما أفتكر الراجل وهو بيقول “الحاجة اللي بيدور عليها موجودة جوه الشقة”… أحس إن فيه لغز أنا معرفوش.
تاني يوم.
وأنا بنضف الصالة.
لمحت حاجة غريبة تحت الكنبة.
انحنيت أشوفها.
طلعت فلاشة USB صغيرة.
استغربت.
أنا عمري ما كان عندي فلاشة بالشكل ده.
يمكن وقعت من شنطة الفني…
يعني من حسام.
فضلت أبص لها.
أفتحها…
ولا أرميها؟
بعد تردد طويل.
شغلت اللاب توب.
ووصلت الفلاشة.
ظهر عليها فولدر واحد.
اسمه…
“لو لقيتي ده… افتحيه فورًا.”
قلبي بدأ يدق.
فتحت الملف.
كان فيه فيديو.
أول ما اشتغل…
ظهر حسام.
لكن مش حسام اللي أعرفه.
كان قاعد في عربية.
وبيتكلم بسرعة وكأنه مستعجل.
قال:
“لو إنتِ بتشوفي الفيديو ده… يبقى أنا معرفتش أحذرك بنفسي. اسمعيني للآخر ومهما حصل متقفليش الفيديو.”
اتجمدت مكاني.
كمل وقال:
“أنا عارف إنك بتكرهيني… ومن حقك. لكن فيه ناس بتراقبك من أسبوعين. يوم ما الشركة بعتتلي عنوانك، عرفت إنهم سبقوني ليكي.”
شهقت من الصدمة.
هو كان عارف عنواني بسبب الشغل فقط؟
كمل كلامه:
“أنا وافقت أروح بنفسي علشان محدش غيري يعرف مكانك. ولو أي فني تاني كان راح… كان زمان عنوانك وصل للناس دي من أول دقيقة.”
بدأت أحس إن الصورة مش كاملة.
قال وهو بيبص حواليه بخوف:
“لو حصل وشوفتي حد بيسأل عن حاجة مستخبية في شقتك… متديهمش أي حاجة. لأنهم مش بيدوروا على فلوس… ولا دهب.”
سكت لحظة.
ثم قال الجملة اللي جمدت الدم في عروقي:
“هم بيدوروا على ظرف بني… اتخبى في الشقة قبل ما تستلميها. واللي جواه ممكن يدخل ناس السجن سنين.”
وفجأة…
اتقطع الفيديو.
وكأن حد قفله بالقوة.
وفي نفس اللحظة…
رن جرس الباب مرة تانية.
لكن المرة دي…
كان صوت الخبط أقوى.
وصوت راجل من بره بيقول:
— افتحي… إحنا من الشرطة… وعندنا أمر بتفتيش الشقة.
وقفت في نص الصالة.
والفلاشة لسه في إيدي.
ومكنتش عارفة…
أفتح الباب…
ولا أهرب؟
الجزء الثالث
فضل صوت الخبط يزيد ثانية بعد ثانية.
— افتحي يا أستاذة… معانا إذن تفتيش.
وقفت مكاني.
عقلي بيقول افتحي.
وقلبي بيقول لأ.
افتكرت الفيديو.
وافتكرت كلام حسام.
“لو حد جه يفتش الشقة… متديهمش أي حاجة قبل ما تتأكدي هما مين.”
قربت من العين السحرية.
بصيت.
كان فيه تلات رجالة.
لابسين لبس مدني.
ومعاهم واحد لابس جاكيت مكتوب عليه كلمة “شرطة”.
لكن كان في حاجة غلط.
ولا واحد منهم واقف بثبات.
كلهم بيبصوا حواليهم بعصبية.
رجعت ورا بسرعة.
ومسكت موبايلي.
كلمت النجدة.
قلت عنواني.
وحكيت اللي بيحصل.
الظابط سألني:
— مين قال لحضرتك إنهم شرطة؟
قلت:
— هما اللي بيقولوا.
رد بسرعة:
— متفتحيش الباب… مفيش أي مأمورية خارجة للعنوان ده.
اتجمدت.
يعني…
اللي بره نصابين.
وفجأة…
سمعت صوت مفتاح بيتحط في الكالون.
صرخت.
إزاي معاهم مفتاح؟
قبل ما أستوعب.
الباب اترج جامد.
واضح إنهم بيحاولوا يفتحوه.
جريت ناحية أوضة النوم.
قفلت الباب.
ودفعت الدولاب قدامه.
وإيديا كلها بتترعش.
وفجأة…
موبايلي رن.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلاني أتردد.
حسام.
فضلت أبص للاسم ثواني.
بعدها رديت.
أول ما فتح الخط قال بصوت متوتر:
— هما عندك… صح؟
صرخت فيه:
— إنت السبب في كل اللي بيحصل!
قال بسرعة:
— اسمعيني… مفيش وقت.
فيه باب طوارئ في المطبخ بيطلع على منور العمارة.
انزلي منه فورًا.
الشرطة الحقيقية جاية.
لكن هما ممكن يدخلوا قبلها.
قلت بعصبية:
— وإنت عرفت منين؟
رد:
— لأني مراقبهم من ساعة ما خرجوا من عندك امبارح.
ومن غير ما يشرح أكتر…
قفل.
وقفت محتارة.
أصدقه؟
ولا أكمل استخبى؟
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت تكسير.
الباب الرئيسي وقع.
وصوت رجالة دخلوا الشقة.
واحد منهم قال:
— فتشوا كل ركن… الظرف لازم يبان النهارده.
جريت ناحية المطبخ.
فتحت باب المنور.
كان ضيق جدًا.
لكن مفيش حل غيره.
نزلت أول درجة.
وفجأة…
إيد قوية مسكت دراعي.
صرخت بكل قوتي.
لكن أول ما بصيت…
لقيته حسام.
كان واقف في المنور.
وقال بسرعة:
— متخافيش… انزلي ورايا.
قلت بغضب:
— سيب إيدي!
رد وهو بيشدني بعيد عن الباب:
— لو اتأخرنا دقيقة… هيموتونا إحنا الاتنين.
وفجأة…
طلع صوت رصاصة من جوه الشقة.
واتكسرت إزازة المطبخ.
اتجمدت في مكاني.
وحسام شدني بقوة وهو بيقول:
— اجري… دلوقتي!
ونزلنا درجات المنور بسرعة.
لكن أول ما وصلنا للدور الأرضي…
اتفاجأنا بعربية سودا واقفة.
وأربعة رجالة نزلوا منها.
واحد منهم ابتسم أول ما شافنا.
وقال:
— أخيرًا لقيناكم… المرة دي محدش هيهرب.
الجزء الرابع
وقف الزمن للحظة.
الأربعة نزلوا من العربية بهدوء غريب، وكأنهم متأكدين إن مفيش مهرب.
الراجل اللي كان واقف قدامهم كان في أواخر الأربعينات، لابس بدلة كحلي، وفي إيده عصاية خشب رفيعة، بيلفها بين صوابعه وهو مبتسم.
قال وهو يبص لحسام:
— تعبتنا معاك أوي.
حسام وقف قدامي بشكل تلقائي، كأنه بيحاول يخفيني بجسمه.
وقال بحدة:
— سيبوها… هي ملهاش دعوة.
ضحك الراجل.
— لسه بتكدب؟ بعد كل اللي حصل؟
بصيت لحسام بذهول.
وقلت:
— إنت تعرفهم؟
سكت.
ولأول مرة من ساعة الطلاق…
شوفت الخوف الحقيقي في عينه.
قال من غير ما يبصلي:
— أيوه… أعرفهم.
حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.
صرخت فيه:
— يعني كنت كذاب طول الوقت؟! إنت اللي جبتهم وراك!
لف ناحيتي بسرعة.
— والله لا… اسمعيني دقيقة واحدة بس.
لكن الراجل قاطعه.
— كفاية تمثيل يا حسام… هات الحاجة ونخلص.
رد حسام بعصبية:
— قلتلكم معاياش حاجة.
ابتسم الراجل ابتسامة باردة.
وأشار لواحد من رجالته.
في ثواني…
طلع صورة من ملف.
ورماها على الأرض قدامي.
انحنيت أخدها.
أول ما بصيت فيها…
اتجمدت.
دي صورة لشقتي…
متصورة من جوه…
قبل ما أنا أسكنها.
وفي الصورة…
كان فيه عامل بيكسر جزء صغير من الحيطة اللي ورا التكييف.
قال الراجل:
— الظرف متخبّي هناك.
بصيت ناحية حسام.
كان واضح إنه عرف المكان لأول مرة.
همس:
— يبقى الفيديو كان صح…
الراجل زعق:
— آخر مرة هقولها… هاتوا الست.
اتنين من الرجالة جريوا ناحيتي.
لكن قبل ما يوصلوا…
سمعنا صوت سرينة شرطة قريب.
كلهم اتلفتوا في نفس اللحظة.
الراجل بص لرجالته وقال:
— انسحبوا… بسرعة.
ركبوا العربية في ثواني.
وانطلقوا بأقصى سرعة.
بعد أقل من دقيقة…
وصلت عربيتا شرطة.
نزل الظباط.
حكيت لهم كل اللي حصل.
وأخدوا أقوالي وأقوال حسام.
وبعد معاينة الشقة…
لقوا فعلًا إن جزء الحيطة اللي ورا مكان تركيب التكييف كان فيه آثار فتح قديم وترميم حديث.
لكن…
مفيش أي ظرف.
الظابط بص لحسام وقال:
— واضح إن حد سبقكم للحاجة اللي كانوا بيدوروا عليها.
وأنا كنت لسه بحاول أستوعب.
سألت حسام:
— قول الحقيقة… مين الناس دي؟
تنهد طويلًا.
وقال بصوت مكسور:
— من سنة تقريبًا… وأنا كنت بركب تكييف في شقة دي قبل ما تتباع. بالصدفة شفت المالك القديم وهو مخبي ظرف جوه الحيطة. بعدها بأيام الراجل اختفى، وناس غريبة بدأت تسألني عن الشقة. رفضت أقول أي حاجة… ومن يومها وهم بيطاردوني.
بصيت له بعدم تصديق.
— وليه مخبرتنيش؟
قال وهو مطأطئ رأسه:
— لأنك كنتِ آخر شخص كنت عايز أدخله في المصيبة دي… لكن لما عرفت إن الشقة اللي اشتريتيها هي نفس الشقة… عرفت إنهم هييجوا وراكي.
سكتنا كلنا.
لكن فجأة…
رن هاتف أحد الضباط.
رد، واستمع لثوانٍ، ثم تغيرت ملامحه.
أغلق الهاتف ونظر إلينا وقال:
— العربية اللي هربت اتعملها حادث على الطريق… لكن لقينا جواها حاجة غريبة.
سألته بلهفة:
— إيه هي؟
رد بهدوء:
— ظرف بني… لكنه كان فاضي.
يتبع
الجزء الخامس
ساد صمت ثقيل بعد كلمة الظابط.
“الظرف كان فاضي.”
بصيت لحسام باستغراب.
وقلت:
— يعني إيه فاضي؟ هما كانوا مستعدين يقت*لوا ناس علشان ظرف فاضي؟
الظابط قفل الملف وقال:
— ده معناه إن اللي كان جواه اتاخد قبل الحادث… أو إن فيه شخص تاني سبق الكل.
رجعنا الشقة بعد ما خلصت المعاينة.
كل حاجة كانت مقلوبة.
الدولاب مكسور.
الأدراج متبهدلة.
حتى المخدات كانوا شقوها.
وقفت في نص الصالة وأنا حاسة إن بيتي مبقاش بيتي.
حسام كان واقف عند الباب.
واضح إنه عايز يتكلم.
لكن مش عارف يبدأ منين.
قال بهدوء:
— عارف إنك مش هتصدقيني… بس أنا ندمت على كل حاجة عملتها معاكي.
رديت ببرود:
— الندم دلوقتي مش هيرجع اللي فات.
وطلبت منه يمشي.
بصلي بحزن.
ولف نازل.
لكن قبل ما يخرج من العمارة…
وقف فجأة.
رجع يجري على السلم.
خبط على الباب بعنف.
— افتحي بسرعة… افتحي!
فتحت وأنا متضايقة.
قال وهو بينهج:
— العربية اللي كانت واقفة تحت من شوية رجعت تاني… بس المرة دي فيها واحدة ست.
نزلنا نبص من البلكونة.
كانت عربية سوداء واقفة.
نزلت منها سيدة كبيرة في السن.
شكلها راقي.
لابسة أسود بالكامل.
وفي إيدها شنطة جلد قديمة.
رفعت وشها ناحية البلكونة.
ولما شافتني…
ابتسمت.
ابتسامة غريبة.
لا فيها تهديد…
ولا فيها راحة.
بعدها أشارت بإيدها إنها عايزة تطلع.
قلت لحسام:
— دي تبعهم؟
هز كتفه.
— أول مرة أشوفها.
بعد دقائق…
كانت الست قاعدة في الصالة.
رفضت تشرب أي حاجة.
فتحت شنطتها بهدوء.
وأخرجت صورة قديمة.
حطتها قدامي.
أول ما بصيت فيها…
اتصدمت.
الصورة كانت للشقة…
لكن من عشرين سنة.
وكان واقف فيها رجل وامرأة وطفلة صغيرة.
الست أشارت على الطفلة وقالت:
— دي بنتي.
ثم أشارت على الرجل.
— وده جوزي.
وسكتت لحظة قبل ما تكمل:
— أما الشقة دي… فهي كانت بيتنا.
بصيتلها باستغراب.
قلت:
— وإيه علاقة ده باللي بيحصل؟
أخذت نفسًا عميقًا.
وقالت:
— جوزي قبل ما يموت خبّى في الشقة مستندات تدين مجموعة كبيرة كانت بتغسل أموال. الناس دي فضلت تدور عليها سنين… ولما الشقة اتباعت، فضلوا يراقبوا كل واحد يسكنها.
حسام سألها:
— والمستندات راحت فين؟
ابتسمت لأول مرة.
وقالت:
— ما كانتش في الظرف أصلًا.
اتسعت عيني.
— أمال فين؟
مدت إيدها داخل الشنطة.
وأخرجت مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا جدًا.
ووضعته على الترابيزة.
وقالت بصوت منخفض:
— المستندات موجودة في مكان محدش هيعرف يوصله… لكن بعد اللي حصل، مفيش غير شخص واحد يقدر يجيبها.
بصيت أنا وحسام لبعض في نفس اللحظة.
وسألناها معًا:
— مين؟
رفعت عينيها نحوي مباشرة.
وقالت:
— إنتِ… لأن اسمك بقى مرتبط بالشقة رسميًا، والمفتاح ده مش هيفتح إلا إذا استخدمه مالكها الحالي.
وفي نفس اللحظة…
وصل على هاتفها اتصال.
ردت في ثوانٍ.
ثم تغير لون وجهها.
أغلقت الهاتف بسرعة.
ونظرت إلينا قائلة:
— للأسف… عرفوا إني وصلت عندكم.
وبدأت أصوات سيارات تتوقف أسفل العمارة من جديد…
الجزء السادس
أسرعت ناحية البلكونة.
بصيت لتحت.
وقلبي وقع.
تلات عربيات سودا وقفوا قدام العمارة.
نزل منهم رجالة لابسين لبس عادي.
لكن طريقة حركتهم كانت منظمة بشكل يخوف.
الست الكبيرة قامت من مكانها بسرعة.
وقالت:
— مفيش وقت… لازم نمشي حالًا.
بصيت للمفتاح النحاسي اللي على الترابيزة.
وقلت:
— هو بيفتح إيه أصلًا؟
ردت وهي بتحطه في إيدي:
— خزنة قديمة… محدش يعرف مكانها غيري.
حسام قرب من باب الشقة.
بص من العين السحرية.
ثم لف ناحيتنا وقال:
— طلعوا السلم… هما فوق في الدور التاني.
بدأ الخبط يعلى.
المرة دي ماحدش اتكلم.
ولا حد عرف نفسه.
كانوا بيخبطوا بعنف وكأنهم ناويين يكسروا الباب.
حسام بصلي وقال:
— اسمعيني… أول ما أفتح الباب وأشغلهم معايا، إنتِ انزلي من باب السطح مع الهانم.
صرخت فيه:
— لا… مش هسيبك.
ابتسم لأول مرة من ساعة ما شوفته.
وقال:
— زمان كنت أناني وضيعت كل حاجة… يمكن دي أول مرة أعمل حاجة صح.
قبل ما أرد…
الباب اتهز بقوة.
عرفنا إنه مش هيستحمل كتير.
حسام شد ترابيزة السفرة وحطها قدام الباب.
وأول ما الباب اتكسر…
اندفع أول راجل للداخل.
حسام دفعه بكل قوته.
ووقعت خناقة عنيفة في الصالة.
استغلت الست الكبيرة اللحظة.
مسكت إيدي.
وقالت:
— يلا.
طلعنا نجري على السطح.
وأصوات التكسير والصريخ طالعة من الشقة.
كل خطوة كنت باخدها…
كان قلبي بيتقطع.
لأول مرة بعد الطلاق…
خفت على حسام.
وصلنا للسطح.
الست اتجهت ناحية أوضة صغيرة قديمة فوق السلم.
طلعت المفتاح النحاسي.
لكنها ماحطتهوش في الباب.
راحت ناحية ماسورة مية قديمة.
وفكت غطا حديد صغير كان مستخبي وراها.
طلع مكانه قفل نحاسي قديم.
بصيتلها بدهشة.
قالت:
— هنا.
دخلت المفتاح.
لفته مرة واحدة.
وسمعنا صوت “تك”.
فتح باب سري صغير في الحائط.
كان وراه صندوق حديد قديم.
فتحته بسرعة.
طلعت منه ملف سميك.
وفلاشة.
ودفتر صغير.
وقبل ما تديهم لي…
سمعنا صوت خطوات طالعة على السلم.
الرجالة وصلوا للسطح.
الست حطت الملف في شنطة صغيرة كانت معاها.
وسلمتني الفلاشة.
وقالت:
— لو حصل لي حاجة… الفلاشة دي توصليها للنيابة بنفسك.
في نفس اللحظة…
ظهر زعيمهم عند باب السطح.
ابتسم وهو بيصفق بإيده.
وقال:
— أخيرًا… بعد عشرين سنة… الملف رجع لصاحبه.
لكن الست الكبيرة وقفت قدامه بثبات.
وقالت:
— لا… المرة دي هيروح للعدالة.
رفع الراجل مسدسه ببطء…
وفي اللحظة التي ضغط فيها على الزناد…
دوى صوت طلقة أخرى من خلفه.
فاتسعت عيون الجميع.
ولف الرجل ببطء…
ليجد حسام واقفًا عند باب السطح، مصابًا في كتفه، لكنه ما زال واقفًا، وخلفه قوة من الشرطة الخاصة اقتحمت المكان وهي تصرخ:
— ارموا السلاح… المكان كله محاصر!
وانتهى المشهد بينما كانت الفلاشة ما تزال في يدي، وعرفت أن الحقيقة الكاملة لم تبدأ إلا الآن.

الجزء الأخير – النهاية
صوت أفراد الشرطة ملأ سطح العمارة.
في ثوانٍ…
الرجالة اللي كانوا مع زعيم العصابة رموا سلاحهم.
لكن هو…
رفض.
فضل ماسك المسدس، وعينه ثابتة على الفلاشة اللي في إيدي.
صرخ وهو بيشير ناحيتي:
— الفلاشة دي لو خرجت من هنا… ناس كتير هتدخل السجن.
الضابط رفع سلاحه وقال بحزم:
— ارمِ السلاح… دي آخر مرة هنحذرك.
الراجل ابتسم.
وقال:
— بعد عشرين سنة… مش هخسر كل حاجة بسهولة.
وفجأة…
حاول يجري ناحيتي.
لكن قبل ما يوصل…
أفراد الشرطة طرحوه أرضًا وقيدوا إيديه.
وقفت مكاني…
مش قادرة أستوعب إن الكابوس خلص.
بصيت لحسام.
كان قاعد على الأرض، ماسك كتفه المصاب، والدم نازل من بين صوابعه.
جريت عليه لأول مرة من يوم طلاقنا.
قلت بقلق:
— إنت كويس؟
ابتسم ابتسامة ضعيفة.
وقال:
— الحمد لله… أهم حاجة إنك بخير.
وصل الإسعاف بعد دقائق.
وأخدوا حسام للمستشفى.
أما أنا…
رحت مع الشرطة.
وسلمتهم الفلاشة والملفات.
بعد أيام…
الحقيقة كلها ظهرت.
الملفات كانت فيها عقود مزورة، وحسابات بنكية، وأسماء رجال أعمال ومسؤولين متورطين في شبكة كبيرة لغسل الأموال.
المالك القديم للشقة كان اكتشف كل حاجة.
ولما عرفوا إنه هيبلغ…
قت*ل*وه، ودوروا سنين على الملفات.
أما الست الكبيرة…
فكانت أرملته.
وكانت مستخبية طول السنين دي، مستنية اللحظة اللي تقدر تظهر فيها الحقيقة.
وبالفعل…
القضية اتفتحت من جديد.
واتقبض على كل أفراد الشبكة.
بعد أسبوعين…
خرج حسام من المستشفى.
طلب يقابلني.
وافقت.
قعدنا في كافيه هادي.
كان ساكت شوية.
ثم قال:
— أنا عارف إن كلمة آسف قليلة.
أنا ظلمتك كتير.
كنت غيور بطريقة مريضة.
وكنت فاكر إن السيطرة اسمها حب.
ولما خسرتك…
عرفت متأخر إني كنت بهدم بيتي بإيدي.
سكت شوية.
وكمل:
— يوم ما شفت اسمك في أمر تركيب التكييف… كنت هموت من الخوف.
مش لأنك طليقتي…
لكن لأنك بقيتي في خطر بسببي.
أنا مقدرش أرجع الزمن…
لكن كنت مستعد أموت علشان أخرجك من المصيبة دي.
بصيت له بهدوء.
وقلت:
— أنا مسامحاك على اللي عملته علشان أقدر أعيش مرتاحة… لكن المسامحة حاجة، والرجوع حاجة تانية.
خفض رأسه.
وقال:
— كنت متوقع ردك.
وقام وهو مبتسم ابتسامة حزينة.
— أهم حاجة إنك بقيتي بخير.
ومشي.
بعد ستة أشهر…
بعت شقتي.
واشتريت شقة جديدة في مكان تاني.
المرة دي…
اخترتها بإيدي.
وبدأت حياة جديدة فعلًا.
وفي يوم وأنا برتب كراتين النقل…
لقيت ظرف صغير باسمي.
كان من حسام.
فتحته.
لقيت جواه مفتاح شقتي القديم.
وورقة مكتوب فيها:
“المفتاح ده آخر حاجة كانت بتربطنا. النهارده برجعهولك، لأنك تستحقي بداية جديدة من غير خوف… ومن غير ماضي يطاردك. أتمنى تلاقي السعادة اللي أنا معرفتش أديهالك.”
ابتسمت.
قفلت الظرف.
وحطيته في آخر صندوق.
ثم قفلت باب الشقة القديمة للمرة الأخيرة…
ومن غير ما أبص ورايا…
مشيت.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *