حكاية محمود وساره الجزء الرابع والاخير
الجزء الخامس والأخير: الست اللي كانت بتحرك الخيوط
حماتي قفلت الباب وراها بهدوء.
حطت الشنطة على ترابيزة المطبخ.
وطلعت السرنجة.
قالت:
— هبة هربت مرة.
قربت خطوة.
— إنتِ مش هتهربي.
فضلت واقفة مكاني.
ما صرختش.
ما جريتش.
بس بصيت للسرنجة.
وبعدين بصيت لها.
قلت:
— فيها إيه؟
ابتسمت.
— حاجة تهديكي.
— زي الأدوية اللي كان محمود بيحطها لي؟
ابتسامتها اختفت لحظة.
إذن عرفت.
قلت:
— كنتِ عارفة.
ردت:
— أنا كنت عارفة كل حاجة.
صوتها كان هادي.
هادي زيادة.
نفس هدوء الناس اللي عملت الشر كتير لدرجة إنه بقى بالنسبة لها شغل.
قالت:
— محمود كان المفروض يلتزم بالخطة.
— خطة إيه؟
— يتجوزك.
— يخليني أشتغل.
— ياخد حساباتك.
— يسجل الشقة باسم أخوه.
— وبعدها؟
سكتت.
قلت:
— يقتلني؟
قالت ببرود:
— لو اضطر.
حسيت قلبي دق بقوة.
لكنني ما تحركتش.
قلت:
— وهو حبني.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— الحب بيبوظ الشغل.
— يبقى فعلًا حبني؟
— على طريقته.
— وطريقته كانت إيه؟ يسرقني ويهدد ابنه؟
— هو ما كانش مفروض يدخل الطفل.
— لكنه دخل.
— علشان اتوتر.
— لأنني بطلت أدفع.
قالت:
— لأنك بدأت تفهمي.
قربت أكتر.
السرنجة في إيدها.
قلت:
— إنتِ الرأس؟
قالت:
— أنا بدأت كل حاجة قبل ما محمود يكبر.
— إزاي؟
حطت إيدها على ظهر الكرسي.
— كنت بشتغل زمان في مكتب قروض.
— وبعدين؟
— شفت ستات كتير متجوزة، عندها مرتبات، وحسابات، وشقق.
— فقررتي تنصبي عليهم؟
— قررت أستفيد من غبائهم.
الكلمة نزلت ثقيلة.
قلت:
— غباء؟
— الست اللي تدي راجلها كل حاجة من غير ورق، تستاهل اللي يحصل لها.
ابتسمت بمرارة.
— إنتِ بتكرهي الستات؟
قالت:
— أنا بفهمهم.
— لا. إنتِ بتكرهي نفسك.
ملامحها قست.
قالت:
— ما تحاوليش تحلليني.
— إنتِ اتنصب عليكي قبل كده، صح؟
سكتت.
عرفت إني لمست حاجة.
قلت:
— حد خد فلوسك؟
— اخرسي.
— جوزك؟
قربت بسرعة.
رفعت السرنجة ناحية دراعي.
اتراجعت.
خبطت الكرسي.
وقع.
قالت:
— كان عندك فرصة تعيشي مرتاحة.
— وأنا بدفع لكم؟
— كنتِ هتفضلي متجوزة وعندك ابن وبيت.
— بيت مسجل باسم أخوه.
— كان شكله بيتك.
— والحقيقة؟
— الناس ما يهمهاش الحقيقة.
قلت:
— إنتِ غلطانة.
— في إيه؟
— الحقيقة هي الحاجة الوحيدة اللي بتفضل بعد ما كل تمثيل يخلص.
مدت إيدها تمسكني.
لفيت بسرعة ناحية الصالة.
لكن رجلي خبطت طرف السجادة.
وقعت.
هي لحقتني.
مسكت شعري.
قالت:
— أنا تعبت علشان أبني الشبكة دي.
حاولت أبعد إيدها.
— شبكة من إيه؟ رجالة جبانة وستات مسروقة؟
صفعتني.
— إنتِ فاكرة نفسك ذكية؟
قلت:
— أذكى من محمود.
— محمود كان ضعيف.
— وابنك التاني؟
توقفت.
بصت لي.
قلت:
— الدكتور.
سكتت.
عرفت.
الدكتور اللي كتب التقرير النفسي ماكانش مجرد شريك.
كان ابنها التاني.
الأكبر.
قالت:
— مين قال لك؟
— محدش.
— كدابة.
— نفس اللقب في أوراق قديمة.
كنت بألف نصف الحقيقة.
لكن شكها قال لي إنني قربت.
قالت:
— الدكتور هو اللي بنا كل حاجة.
— وإنتِ اللي جبتي الضحايا.
رفعت السرنجة.
— كفاية كلام.
قبل ما تغرسها، جرس الباب رن.
وقفت.
صوت رجل قال:
— مدام سارة؟ توصيل.
حماتي بصت ناحية الباب.
قلت بسرعة:
— ما طلبتش حاجة.
الرجل خبط تاني.
قال:
— التوصيل مدفوع.
حماتي قربت من الباب بحذر.
أنا استغليت اللحظة.
مسكت المزهرية من على الترابيزة.
ضربتها على إيدها.
السرنجة وقعت.
صرخت.
جريت ناحية الباب.
لكنها مسكت هدومي من الخلف.
شدتني.
وقعت.
رفعت السرنجة تاني.
في اللحظة دي، الباب اتكسر.
دخل فريد ومعاه ظابطين.
واحد منهم ثبت حماتي.
التاني أخد السرنجة.
أنا فضلت على الأرض.
مش قادرة أتنفس.
فريد قرب.
— إنتِ كويسة؟
هزيت راسي.
قلت:
— اتأخرتوا.
قال:
— كنا بنسمع من أول ما دخلت.
بصيت له.
— إزاي؟
أشار لميدالية صغيرة في شنطتي.
— جهاز تسجيل وتتبع.
افتكرت إنه حطها قبل ما أمشي من المكتب آخر مرة.
قال:
— توقعت إن حد يحاول يوصل لك بعد مكالمة هبة.
حماتي كانت بتصرخ:
— أنا ما عملتش حاجة!
الظابط قال:
— كل الكلام اتسجل.
وشها اتغير.
بصت لي.
قالت:
— إنتِ كنتِ عارفة؟
قلت:
— لأ.
ثم ابتسمت.
— بس واضح إن الحظ أخيرًا بقى له تمن عندكم.
أخدوها.
الشنطة اللي جابتها كانت أهم دليل.
جوازات سفر بأسماء مختلفة.
عقود زواج عرفي.
نسخ بطاقات ستات.
تحويلات.
قوائم بضحايا.
صور.
وإيصالات تأمين.
في ملف منفصل، كان اسم هبة.
وصفحة مكتوب فيها:
“تم التنفيذ.”
لكن هبة كانت عايشة.
وفي ملف آخر، كان اسمي.
الخطة كاملة.
الجواز.
الضغط عليّا أنزل شغل.
الاستيلاء على حسابي.
إثبات إني غير مستقرة.
استخدام ابني.
ثم حادث دوائي.
كل خطوة بتاريخ.
كل شخص له دور.
محمود.
نورهان.
تامر.
الدكتور.
وأمه.
بعد القبض عليها، بدأت الشبكة تقع بسرعة.
الدكتور حاول يهرب.
اتمسك في المطار.
كان معاه جواز سفر مزور.
وفي حقيبته ملفات طبية لستات ماتوا في ظروف غامضة.
تامر اعترف إنه كان بياخد نسبة مقابل تسجيل الشقق باسمه.
نورهان قالت إنها في البداية كانت ضحية.
محمود أقنعها إنها هتبقى شريكته.
وبعدين استخدم شركتها لتحويل الفلوس.
لكنها فضلت معاه بعد ما فهمت.
وده خلاها شريكة فعلًا.
أما هبة، فدخلت برنامج حماية.
وقدمت شهادتها.
قالت إنهم حاولوا يعملوا لها حادث عربية بعد ما اكتشفت إن التأمين على حياتها اتعمل من غير علمها.
هي نجت.
لكنهم زوروا وفاتها علشان يخوفوا باقي الضحايا ويقفلوا الملف.
ظهر أكتر من ست.
واحدة باعت شقتها.
واحدة أخدت قرضًا.
واحدة اتهموها بالجنون.
واحدة خسرت حضانة أولادها بتقرير مزور.
كلهم كانوا فاكرين إن مشكلتهم شخصية.
إنهم اختاروا الزوج الغلط.
لكن الحقيقة إنهم وقعوا في شبكة.
في المحكمة، محمود دخل وهو لابس بدلة رمادي.
شكله هادي.
نفس الهدوء القديم.
لكن المرة دي، ما كانش متحكم.
كان واقف جوه قفص.
بص لي.
وأنا قاعدة جنب فريد.
ابني كان بره القاعة مع منى.
القاضي بدأ يسأله.
أنكر كل حاجة.
قال إن أمه كانت بتدير الشؤون المالية.
وإن نورهان هي اللي خططت.
وإن الدكتور زوّر من غير علمه.
ولما سألوه عن خطف ابنه، قال:
— كنت خايف عليه.
القاضي سأله:
— من والدته؟
قال:
— كانت غير مستقرة.
فريد قدم تسجيل المرسى.
صوت محمود واضح:
“الابن ييجي غيره.”
القاعة كلها سكتت.
القاضي بص له.
قال:
— ده مفهومك عن الخوف على ابنك؟
محمود ما ردش.
بعدها شغلوا تسجيله مع صاحبه.
“دلعها شوية وهي هتفضل تصرف.”
ثم التسجيل الأقدم.
“سارة مفتاحها إنها تحس إنها بتبني بيت.”
أنا سمعتهم من غير ما أعيط.
لأني بقيت عارفة إن البكاء مش ضعف.
بس المرة دي، ماكانش عندي حاجة أبكي عليها فيه.
الرجل اللي في التسجيل ما كانش الزوج اللي فقدته.
كان النصاب اللي اكتشفته.
حماتي حاولت تدافع عن نفسها.
قالت إن كل الستات كانوا بيدفعوا بإرادتهم.
القاضي سألها:
— وهل محاولة حقن سارة كانت بإرادتها أيضًا؟
سكتت.
الدكتور اعترف بعد ما الأدلة حاصرته.
قال إن أمه بدأت الشبكة.
وإنه كان يجهز التقارير.
ومحمود كان يستدرج الزوجات.
وتامر يخفي الممتلكات.
والصاحب القديم يجيب ضحايا جديدة.
كل شخص كان شايف نفسه ترسًا صغيرًا.
لكن كل ترس ساعد في طحن حياة إنسانة.
الحكم كان قاسيًا.
سنين طويلة.
ومصادرة أموال.
وتعويضات للضحايا.
الشقة رجعت لملف النزاع.
المحكمة ثبتت إن المبالغ اللي دفعتها كانت مساهمة مباشرة.
واسترديت مدخراتي.
مش كلها.
لكن الجزء الأكبر.
وأخو محمود خسر الشقة اللي كان فاكر إنها ملكه.
شركة نورهان اتصفت.
والتأمين اتلغى.
أما ابني، فبدأ علاجًا نفسيًا.
كان بيصحى من النوم مفزوع.
أحيانًا يقول:
— بابا هييجي ياخدني.
وأنا أقول:
— لأ. إنت آمن.
في يوم، سألني:
— هو بابا كان بيحبني؟
السؤال رجع.
لكن المرة دي، كنت أهدى.
قلت:
— يمكن كان عنده مشاعر ناحيتك. بس الحب الحقيقي له تصرفات، مش كلام بس.
— وهو تصرفاته كانت وحشة.
— أيوه.
— يبقى ما كانش بيحبني صح.
قلت:
— بالضبط.
قال:
— وإنتِ بتحبيني صح؟
حضنته.
— على قد ما أقدر، وكل يوم أتعلم أحسن.
بعد سنة، نقلنا من الشقة.
مش لأنها وحشة.
لكن لأنني ما كنتش عايزة أفضل عايشة وسط ذكريات كل ركن فيها مربوط بكذبة.
استأجرت مكانًا أصغر.
شمس أكتر.
أثاث أقل.
لكن كل حاجة فيه باسمي.
أول يوم، قعدت في المطبخ الجديد.
عملت لنفسي شاي.
ابني دخل.
حط قدامي شوكولاتة.
قال:
— من مصروفي.
قلت:
— ليه؟
— علشان بحبك.
ابتسمت.
— حتى لو معيش فلوس؟
بص لي باستغراب.
— ماما، إنتِ لسه بتسألي السؤال ده؟
ضحكت.
— يمكن بطمن.
قال:
— الحب مش فلوس.
— أمال إيه؟
فكر.
ثم قال:
— لما الواحد ما يستخدمش حد.
قلت:
— تعريف ممتاز.
فتحنا الشوكولاتة.
قعدنا ناكل.
من غير خوف من فاتورة.
ولا من حد يحسب مين دفع.
بعدها بأيام، جاءني جواب من محمود.
المرة دي ما سيبتوش على الدولاب.
فتحته فورًا.
كان مكتوب:
“أنا خسرت كل حاجة.”
وقفت.
ثم كملت.
“أمي باعتنا. نورهان شهدت ضدي. تامر اعترف. وابني مش عايز يشوفني.”
لا اعتذار.
لا اعتراف.
بس قائمة خسائر.
وفي النهاية كتب:
“لو كنتِ فضلتي زي الأول، ما كانش ده كله حصل.”
ضحكت.
طويت الجواب.
وحطيته في سلة القمامة.
هو لسه شايف إن مشكلته إني اتغيرت.
مش إنه سرق.
ولا زور.
ولا خطف.
ولا خطط.
المشكلة عنده إنني بطلت أكون سهلة.
في نفس الليلة، منى سألتني:
— حسيتِ بإيه لما قريتيه؟
قلت:
— راحة.
— ليه؟
— علشان عرفت إنني ما خسرتش راجل ممكن يتصلح.
— خسرتِ إيه؟
بصيت حولي.
لبيتي الصغير.
لابني.
لشغلي.
قلت:
— خسرت الوهم.
قالت:
— وكسبتي؟
ابتسمت.
— نفسي.
محمود كان دايمًا يقول:
“أنا بحبك، بس لو معاكي فلوس هحبك أكتر.”
افتكرت إنه بيهزر.
لكن الجملة كانت العقد الحقيقي بيننا.
هو حب المال اللي عندي.
وحب الطاعة اللي كنت بقدمها.
وحب النسخة مني اللي ما بتسألش.
ولما بطلت أدفع…
وبطلت أخاف…
وبطلت أصدق…
انتهى “حبه”.
لكن حياتي ما انتهتش.
ابتدت.
لأن الست اللي تدي من غير مقابل مش غلطانة لأنها كريمة.
الغلط إن اللي قدامها يفهم الكرم حقًا مكتسبًا.
والحب مش حسابًا مشتركًا لازم طرف واحد يملأه.
الحب مشاركة.
واللي يحبك فعلًا، ما يسألكيش:
“معاكي كام؟”
يسألك:
“إنتِ كويسة؟”
النهاية