اهلي اشتروا يخت اسما السيد 1
“أهلي اشتروا لأختي يخت بـ8 مليون جنيه… وأنا كنت في المستشفى العسكري أترجاهم يقرضوني 250 ألف علشان أنقذ رجلي.”
الجزء الأول
كنت لسه لابسة الزي العسكري…
ورجلي الشمال متجبسة، ومثبتة بدعامة حديد، والألم كان بيزيد مع كل نفس.
الدكتور بص في الأشعة، وسكت شوية.
وبعدين قال بهدوء:
— لو العملية ما اتعملتش قبل يوم الخميس… الإصابة هتبقى دائمة.
الكلمة دي هزتني.
دائمة.
أنا قضيت سنين في الجيش.
اتعلمت أستحمل التعب.
وأقاوم الوجع.
وأكمل مهما كانت الظروف.
لكن المرة دي…
الدكتور ماكانش بيقول إني هتتعب كام شهر.
كان بيقول إني ممكن…
ما أعرفش أمشي طبيعي تاني.
المستشفى العسكري قال إن الإجراءات هتاخد وقت.
لكن فيه جراح متخصص وافق يعمل العملية فورًا…
بشرط أدفع مقدم 250 ألف جنيه.
عمري ما حبيت أطلب حاجة من أهلي.
لكن المرة دي…
كنت بطلب علشان أنقذ مستقبلي.
اتصلت بأبويا.
رد بعد كذا محاولة.
أول ما فتح…
سمعت موسيقى.
وضحك.
وصوت كاسات بتخبط في بعض.
وبعدين صوت فرقعة زجاجة شامبانيا.
قلت:
— يا بابا… الدكتور أكد إن حالتي خطيرة، ولازم أعمل العملية الأسبوع ده.
سكت لحظة.
افتكرت إنه هيقول:
“إنتِ عاملة إيه؟”
أو:
“إحنا جايين.”
لكن أول سؤال سأله كان:
— محتاجة كام؟
قلت:
— 250 ألف… وهردهملك أول ما أقدر.
تنهد وقال:
— بصي يا ندى… توقيتك وحش جدًا.
بصيت قدامي وأنا مش مستوعبة.
قلت:
— توقيتي؟
قال:
— إحنا لسه مخلصين شراء اليخت بتاع أختك… والناس كلها عندنا بتحتفل.
افتكرت إني فهمت غلط.
قلت:
— يخت؟!
قال بكل هدوء:
— استثمار مهم… وهيعرفها على ناس مهمة.
في اللحظة دي…
سمعت صوت أمي.
كانت بتسأل:
— مين على التليفون؟
قال:
— ندى.
سمعتها وهي بترد بصوت عالي:
— قولها تبطل دراما بقى!
حسيت إيدي بتترعش.
قلت:
— يا ماما… الدكتور بيقول ممكن ما أمشيش تاني.
خدت السماعة من أبويا وقالت:
— الدكاترة دايمًا بيكبروا المواضيع… إنتِ صغيرة وهتبقي كويسة.
قلت:
— وراني الأشعة بنفسه.
قالت ببرود:
— إنتِ طول عمرك بتحولي أي مشكلة لكارثة.
وقبل ما أرد…
سمعت صوت أختي داليا وهي بتخطف التليفون.
وقالت بعصبية:
— هو إنتِ لازم تبوظي فرحتي؟
قلت:
— أنا محتاجة عملية.
ردت:
— خدي مسكن وخلاص… بابا تعب شهور علشان يجيبلي اليخت ده.
بصيت للدعامة اللي على رجلي.
وسألتها:
الجزء الثاني: المكالمة اللي كشفت أول كذبة
بصيت للدعامة اللي على رجلي.
وسألتها:
— لو مكانك كان أنا… وكنتِ إنتِ اللي ممكن ما تمشيش تاني، كنتِ هتقولي خدي مسكن؟
داليا سكتت ثانية.
لكن بدل ما تحس بيا، قالت بنبرة متضايقة:
— ما تبدأيش تقارني نفسك بيا. إحنا في يوم مهم.
ضحكت من غير ما أقصد.
ضحكة قصيرة ومكسورة.
— يوم مهم؟
— أيوه. اليخت وصل النهارده، وكل صحابنا هنا.
— وأنا في المستشفى.
— وإحنا مالنا؟ إنتِ اللي اخترتي الجيش.
الجملة نزلت عليّا تقيلة.
أنا اللي اخترت الجيش.
كأن الإصابة عقاب.
كأن كل سنة خدمت فيها كانت غلطة.
قلت:
— أنا ما طلبتش منكم هدية. أنا بطلب قرض.
داليا ردت بسرعة:
— ومين قال إننا معانا سيولة بعد اليخت؟
— يخت بثمانية مليون… ومفيش 250 ألف ينقذوا رجلي؟
قالت ببرود:
— الأولويات بتختلف.
سكت.
ما لقيتش حاجة أقولها.
كانت معاها حق في حاجة واحدة.
الأولويات فعلًا بتختلف.
أنا كنت بطلب فرصة أمشي.
وهي كانت بتحتفل بقارب فاخر.
قلت:
— هاتي بابا.
ردت:
— بابا مش فاضي.
— هاتي بابا يا داليا.
صوتها علي:
— بلاش تحاولي تعملي مشهد دلوقتي!
قلت وأنا حاسة إن عيني بتسخن:
— أنا مش بعمل مشهد. أنا في سرير مستشفى.
سمعت أمي من بعيد بتقول:
— اقفلي يا داليا، الضيوف مستنيين الصورة.
داليا قالت:
— شوفتِ؟ لازم أقفل.
— داليا…
— إيه؟
— لو رجلي راحت… عمري ما هنسى المكالمة دي.
ضحكت.
ضحكت فعلًا.
وقالت:
— وإحنا كمان عمرنا ما هننسى إنك حاولتِ تبوظي يومي.
وقفلت.
فضلت حاطة الموبايل على ودني ثواني.
كأن المكالمة لسه شغالة.
كأنهم هيرجعوا يتصلوا ويقولوا:
“كنا بنهزر.”
لكن الشاشة كانت سودة.
الممرضة دخلت الأوضة، لقتني ساكتة.
قربت مني وقالت:
— كلمتي أهلك؟
هزيت راسي.
— هييجوا؟
بصيت ناحية الشباك.
— مشغولين.
الممرضة فهمت من وشي إن الموضوع أكبر من كلمة “مشغولين”.
ما سألتش.
حطت زجاجة المحلول مكانها، وقالت:
— الدكتور عايزك توقعي على ورقة إنك عارفة مخاطر التأخير.
بصيت لها.
— يعني إيه؟
— يعني لو العملية اتأخرت، المستشفى لازم يكون مثبت إنك اتبلغتي.
— وآخر وقت إمتى؟
— الجراح قال صباح الخميس.
بصيت في الساعة.
كان مساء الثلاثاء.
فاضل أقل من ست وثلاثين ساعة.
قلت:
— ولو ما دفعتش؟
سكتت.
بعدين قالت بهدوء:
— الجراح مش تابع للمستشفى العسكري. هيعمل العملية في مركز خاص متعاقد. المقدم لازم يتدفع قبلها.
رجعت بصيت للموبايل.
كان عندي كام رقم ممكن أكلمهم؟
زملاء في الجيش.
أصحاب قدام.
ناس وقفت معاهم قبل كده.
لكن 250 ألف رقم كبير.
وأنا عمري ما كنت بحب أحط حد في موقف يعتذر لي.
حاولت أقوم، لكن أول ما حركت جسمي، الألم ضرب رجلي زي الكهرباء.
صرخت من غير ما أقصد.
الممرضة جريت ناحيتي.
— استني! ما تتحركيش لوحدك.
مسكت طرف السرير وأنا باخد نفسي.
قلت:
— محتاجة أدخل الحمام.
— هنجيب لك الكرسي.
— لا.
— يا ندى، ممنوع تحملي على رجلك.
— أنا عسكريّة.
قالت لي بحدة مفاجئة:
— وإنتِ كمان مصابة. مفيش بطولة في إنك تبوظي رجلك أكتر.
الجملة وقفتني.
ساعدتني أقعد على الكرسي.
وأنا خارجة من الأوضة، لمحت نفسي في مراية صغيرة على الحيطة.
وشي شاحب.
شعري مربوط بسرعة.
الزي العسكري عليه تراب ودم ناشف عند الركبة.
كنت باينة قوية.
لكن الحقيقة إني كنت على بعد يوم ونص من خسارة أكتر حاجة بنيت حياتي عليها.
مش مجرد رجل.
وظيفتي.
استقلالي.
كرامتي.
رجعت الأوضة.
بعد شوية، دخل الدكتور.
كان اسمه العميد طبيب شريف كامل.
راجل في أواخر الخمسينات، كلامه قليل ونظراته مباشرة.
قعد قدامي.
— كلمتي الأسرة؟
قلت:
— أيوه.
— هيقدروا يساعدوا؟
سكت لحظة.
— لأ.
ما سألش ليه.
فتح الملف وقال:
— أنا هكون صريح. الإصابة معقدة. في ضغط على العصب، وكسر قريب من المفصل، وتمزق شديد في الأربطة.
— عارفة.
— العملية لازم تتم بسرعة.
— عارفة.
— تقدري تدبري المبلغ؟
قلت:
— هحاول.
قفل الملف.
— المحاولة لازم تبقى الليلة.
هزيت راسي.
قبل ما يقوم، سألته:
— لو ما قدرتش؟
بص لي.
— هنعمل المتاح هنا.
— والمتاح ينقذ رجلي؟
سكت.
وسكوته كان الإجابة.
طلع.
فتحت الموبايل.
رصيدي في البنك كان 73 ألف جنيه.
كل اللي حوشته من سنين خدمتي.
كان عندي عربية قديمة ممكن تتباع بمية وخمسين تقريبًا.
لكن البيع في يوم واحد شبه مستحيل.
اتصلت بصاحبيتي مها.
كانت زميلتي في الدفعة.
أول ما ردت، قالت:
— إنتِ فين؟ سمعت إنك اتصابتي.
— في المستشفى.
— أنا جاية.
— استني.
— في إيه؟
قلت لها المبلغ.
سكتت.
وبعدين قالت:
— أنا معايا حوالي خمسين ألف، أخدهم من حسابي دلوقتي.
— مها، لأ.
— اسكتي.
— مش هينفع.
— رجلك أهم من الحساب.
دموعي نزلت لأول مرة.
مش علشان الفلوس.
علشان أول واحدة قالت إن رجلي أهم… ما كانتش من أهلي.
قلت:
— حتى لو ضفناهم للي معايا، لسه ناقص كتير.
قالت:
— هكلم الناس.
— ما تعمليش كده.
— ليه؟
— مش عايزة أفضل مديونة لكل اللي أعرفهم.
ردت بحزم:
— ولا تفضلي عاجزة علشان كبرياء فارغ.
قبل ما أرد، قالت:
— أنا في الطريق.
وقفلت.
بعدها بدقايق، اتصل بي رقم غريب.
رديت.
— ألو؟
جاء صوت راجل هادي:
— الآنسة ندى منصور؟
— أيوه.
— مع حضرتك المستشار المالي لشركة والدك.
شدّيت نفسي.
— خير؟
قال:
— محتاج أتأكد من طلب التحويل اللي اتقدم باسمك.
اتجمدت.
— تحويل إيه؟
— مبلغ 250 ألف جنيه من حساب الشركة، تحت بند مصاريف علاج طارئة.
قلبي دق بسرعة.
— مين قدم الطلب؟
— وصلنا إيميل من حساب الأستاذ فؤاد منصور.
أبويا.
قلت:
— إمتى؟
— من حوالي عشرين دقيقة.
عيني اتملت دموع.
أخيرًا.
يمكن ضميره صحى.
يمكن بعد ما قفلوا، فكروا.
قلت:
— أيوه، المبلغ للعملية.
الرجل قال:
— تمام. إحنا محتاجين بس مستند طبي ورقم حساب المركز.
قلت بسرعة:
— أبعتهم دلوقتي.
— ممتاز.
قفل.
فضلت باصة للموبايل.
نص ساعة كاملة وأنا مستنية رسالة أبويا.
ما جاتش.
لكن ما فرقتش.
هو بدأ التحويل.
المبلغ هيوصل.
تنفست لأول مرة من يوم الحادث.
دخلت الممرضة.
قلت لها:
— العملية هتتعمل.
ابتسمت.
— كويس جدًا.
اتصلت بالمركز الطبي.
قالوا لازم إثبات التحويل قبل منتصف الليل علشان يحجزوا غرفة العمليات.
بعت للمستشار المالي كل المستندات.
رد:
“تم الاستلام. جاري اعتماد التحويل.”
قعدت مستنية.
كل دقيقة كانت بطيئة.
مها وصلت.
دخلت وهي بتجري.
أول ما شافتني حضنتني بحذر.
— إنتِ عاملة إيه؟
— أهلي هيدفعوا.
ملامحها ارتاحت.
— الحمد لله. عارف إنهم مستفزين بس أكيد مش هيسيبوا رجلك تضيع.
ما رديتش.
ما حبيتش أحكي لها المكالمة.
قلت:
— واضح إن بابا غير رأيه.
مها حطت شنطتها.
— أنا جبت الفلوس برضه.
— رجعيها.
— تبقى احتياطي.
— مش محتاجين.
قالت:
— ندى، ما تتطمنيش غير لما الفلوس توصل فعلًا.
بصيت لها.
كان عندها حق.
الساعة قربت على عشرة.
مافيش تحويل.
كلمت المستشار المالي.
ما ردش.
بعثت رسالة.
شافها.
ما ردش.
الساعة عشرة ونص.
المركز اتصل.
— يا فندم، محتاجين التأكيد قبل منتصف الليل.
قلت:
— التحويل في الطريق.
— تمام، لكن من غير إيصال مش هنقدر نثبت الحجز.
قفلت.
اتصلت بأبويا.
رد بعد كذا محاولة.
الموسيقى كانت لسه شغالة.
قلت:
— بابا، التحويل لسه ما وصلش.
سكت.
— تحويل إيه؟
اتجمدت.
— الـ250 ألف.
قال:
— أنا ما عملتش تحويل.
كل حاجة حواليّا سكتت.
— المستشار المالي قال إن طلب طلع من إيميلك.
قال بنبرة متضايقة:
— استني.
سمعت أصوات بعيدة.
وبعدين أمي قالت:
— إنت قلت لها؟
أبويا رد بعيد عن السماعة:
— ما قلتش حاجة.
صوت داليا جه واضح:
— أنا اللي بعت الطلب.
قلبي تحرك.
يمكن أختي ندمت.
قلت:
— داليا؟
خدت السماعة وقالت:
— أيوه، أنا.
— شكرًا.
ضحكت.
— استني ما تشكرينيش.
حسيت بخطر.
قالت:
— بعت الطلب فعلًا… وبعدين لغيتُه.
إيدي شدت على الموبايل.
— لغيتِه؟
— أيوه.
— ليه؟
قالت بمنتهى البرود:
— كنت عايزة أشوف لو هتبقي ممتنة ولا هتفضلي تتكلمي بطريقة وحشة.
ما قدرتش أصدق.
— إنتِ عملتي طلب تحويل علشان تختبريني؟
— أيوه.
— وعرفتي إني في سباق مع الوقت.
— ما تكبريش الموضوع.
قلت بصوت واطي:
— أنا كنت فاكرة إن العملية اتحجزت.
— مش مشكلتي إنك استعجلتي.
أبويا أخد السماعة.
— كفاية يا داليا.
قلت له:
— إنت كنت عارف؟
سكت.
— يا بابا… إنت كنت عارف إنها لغته؟
قال:
— أنا عرفت من شوية.
— وعملت إيه؟
— إحنا بنتكلم في الموضوع.
— بتتكلموا؟
— ندى، ما تعليش صوتك.
ضحكت من الوجع.
— العملية بعد يوم.
— وأنا قلت لك التوقيت وحش.
— طب ليه خليتوني أصدق إن الفلوس جاية؟
قال بحدة:
— ما حدش قال لك إنها جاية.
— المستشار اتصل بيا.
— داليا غلطت، وهحاسبها.
صوتها جه من بعيد:
— بابا!
قال لها:
— اسكتي.
لكن نبرته ما كانتش نبرة أب غاضب.
كانت نبرة أب بيحاول يقفل موقف محرج.
قلت:
— هتحاسبها إزاي؟
— ده بيني وبينها.
— ورجلي؟
— حاولي تدبري المبلغ.
سكت.
وبعدين سألت:
— إنت عندك في حسابك 250 ألف؟
ما ردش فورًا.
— عندي التزامات.
— يعني عندك.
— الموضوع مش كده.
— تقدر تبعته.
— ما ينفعش أسحب من السيولة دلوقتي.
— علشان اليخت؟
قال بعصبية:
— بلاش تقللي من قراراتي.
— وأنا؟
— إنتِ كبيرة ومسؤولة عن نفسك.
الجملة كانت واضحة.
أنا كبيرة لما أحتاجهم.
لكن داليا طفلتهم مهما كبرت.
قلت:
— تمام.
قال:
— ندى، ما تقفليش وإنتِ زعلانة.
— أنا مش زعلانة.
— أمال؟
بصيت للدعامة.
— أنا فهمت.
وقفلت.
مها كانت قاعدة قدامي.
سمعت آخر جزء من المكالمة.
وشها كان متغير.
قالت:
— لغوا التحويل؟
هزيت راسي.
قالت بغضب:
— دول مجانين.
قلت:
— لأ.
— لأ إيه؟
— عارفين بيعملوا إيه.
سكتنا.
الساعة كانت عشرة وخمس وأربعين.
فاضل ساعة وربع.
قلت:
— معايا 73.
مها قالت:
— ومعايا 50.
— ناقص 127.
— نكلم زمايلنا.
— لا.
— ندى!
— ما نطلبش من أفراد. كلمي صندوق التكافل.
— الإجراءات هتاخد وقت.
— البنك العسكري؟
— نفس الكلام.
قالت بعد تفكير:
— عربيتك.
— نبيعها لمين دلوقتي؟
مسكت موبايلها.
— في معرض قريب صاحبه يعرف أخويا. ممكن يشتريها بسعر أقل.
قلت:
— أقل بكام؟
— يمكن مية وعشرين.
— العربية تمنها أكتر.
— رجلك أغلى.
سكت.
قالت:
— مع الـ73 والـ50 ومية وعشرين، يبقى 243.
— ناقص سبعة.
— السبعة سهلة.
اتصلت بأخوها.
بعد عشر دقائق، كان صاحب المعرض على الفيديو.
طلب صور العربية والرخصة.
قال:
— أقدر أدفع مية وعشرة الليلة، واستلم العربية بكرة.
قلت:
— مية وعشرين.
— العربية فيها خبطة.
— الخبطة سطحية.
— الدفع كاش دلوقتي.
— مية وخمستاشر.
سكت.
— ماشي.
وافقت.
مها بصت لي.
— بقى معانا 238.
— ناقص 12.
فتحت تطبيق البنك.
كان عندي كارت ائتمان بحد 15 ألف.
قلت:
— كملوا.
مها ابتسمت.
— هنلحق.
بعتنا للمركز إن الدفع هيتعمل على ثلاث دفعات.
قالوا ماشي.
الساعة كانت 11:35.
صاحب المعرض حول الفلوس.
مها حولت فلوسها.
أنا حولت رصيدي.
الكارت رفض آخر دفعة.
حاولت تاني.
رفض.
بسبب إجراء أمني.
كلمت البنك.
الموظف قال:
— تفعيل التحويل ممكن ياخد ساعتين.
قلت:
— ما عنديش ساعتين.
المركز اتصل.
— فاضل عشرين دقيقة.
قلت:
— حولنا 238 ألف.
— المقدم 250.
— الباقي بكرة الصبح.
— الإدارة رفضت.
مها قالت:
— أنا هكلم أي حد.
بدأت تتصل بالزملاء.
واحد حول ألفين.
واحدة حول ثلاثة.
واحد اعتذر.
واحدة ما ردتش.
وصلنا لـ246.
الساعة 11:52.
ناقص أربعة آلاف.
مها قالت:
— هطلب من الممرضة.
قلت:
— لأ.
— مفيش وقت.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح.
دخل راجل لابس بدلة بسيطة، وراه فرد أمن.
كان في أوائل الستينات.
وشه مألوف، لكني ما عرفتهوش.
قال:
— المقدم ندى منصور؟
قلت:
— أيوه.
قرب وقال:
— أنا اللواء المتقاعد عادل عزت.
عرفت الاسم.
كان قائد والدي زمان.
والرجل اللي أبويا طول عمره بيقول إنه صاحب الفضل عليه.
قال:
— وصلني إن عندك أزمة في العملية.
بصيت لمها.
هي هزت راسها إنها ما تعرفش.
قلت:
— عرفت منين؟
قال:
— الدكتور شريف كلمني.
طلع ظرف من جيبه.
وحطه على الترابيزة.
— ده الباقي.
قلت بسرعة:
— شكرًا، لكن مش هقدر آخد—
قاطعني:
— قرض.
— هرده.
— لما تقفي على رجلك.
الجملة خلت عيني تدمع.
مها فتحت الظرف.
كان فيه عشرين ألف.
حولنا المطلوب قبل منتصف الليل بثلاث دقائق.
المركز أكد الحجز.
العملية بقت صباح الخميس.
أول ما قفلنا، قلت للواء عادل:
— مش عارفة أشكرك إزاي.
قعد على الكرسي.
— ما تشكرينيش.
— حضرتك أنقذت مستقبلي.
بص لي طويلًا.
— كان المفروض اللي ينقذك أبوكي.
سكت.
هو كمل:
— كلمته.
قلبي دق.
— إمتى؟
— قبل ما أجيلك.
— قال لك إيه؟
— قال إنك رفضتي مساعدته.
بصيت له بصدمة.
— إيه؟
— قال إنك عندك عناد، وإنه عرض يدفع بس إنتِ قولتي مش عايزة.
ما قدرتش أتكلم.
مها قالت:
— ده كذب.
اللواء هز راسه.
— عارف.
قلت:
— عرفت إزاي؟
— لأن فؤاد منصور كذب عليّا قبل كده بنفس الطريقة.
ركزت معاه.
— قبل كده؟
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— الإصابة اللي حصلت لك… إنتِ فاكرة إنها حادث عادي؟
جسمي كله شد.
— عربية الإمداد اتقلبت.
— التقرير الأول قال إن الفرامل تعطلت.
— أيوه.
— التقرير اتغير بعد ساعات.
— اتغير لإيه؟
— خطأ قيادة.
قلت:
— السواق ما غلطش.
— عارف.
— حضرتك بتقول إيه؟
اللواء عادل قرب بصوته.
— العربية كانت داخلة صيانة في شركة متعاقدة قبل الحادث بيومين.
— وإيه علاقة ده بأبويا؟
بص ناحية الباب، وبعدها رجع لي.
— الشركة دي واحدة من شركات والدك.
فضلت باصة له.
عقلي رفض يربط الكلام.
قلت:
— أبويا عنده شركات نقل مدني، مش صيانة عسكرية.
— الشركة باسم شريك قديم.
— مين؟
— زوج أختك المستقبلي.
اتجمدت.
داليا ما كانتش مخطوبة رسميًا.
لكن كان فيه شاب اسمه مازن، ابن رجل أعمال، دايمًا موجود في حفلاتهم.
قلت:
— مازن؟
— أيوه.
— ليه يعبثوا في عربية عسكرية؟
— ده السؤال اللي لازم يتجاوب.
قلت:
— يمكن عطل عادي.
اللواء قال:
— العطل كان في خرطوم الفرامل. متقطع بأداة حادة.
مها شهقت.
— يعني محاولة ق*تل؟
اللواء رد:
— ما أقدرش أقول كده من غير دليل.
قلت:
— أنا كنت مشرفة على شحنة في العربية.
ملامحه اتغيرت.
— شحنة إيه؟
— أجهزة اتصالات مصادرة، كانت رايحة للتحليل.
سكت.
— وفيه حاجة حصلت قبل التحرك؟
افتكرت.
قبل المهمة بيوم، أبويا اتصل بيا بعد شهور من عدم السؤال.
سألني بشكل عابر عن شغلي.
وعن المكان اللي رايحاه.
وعن طبيعة المهمة.
وقتها افتكرت إنه أخيرًا مهتم.
قلت:
— أبويا سألني عن المهمة.
اللواء قال:
— عرف التفاصيل؟
— مش كلها.
— عرف الطريق؟
سكت.
أيوه.
أنا قلت له اسم المنطقة.
قلت:
— ممكن يكون صدفة.
اللواء رد:
— أتمنى.
رن موبايله.
رد.
ملامحه اتغيرت.
قال:
— إيه؟ إمتى؟
قفل.
بص لي.
— حصل حريق في مخزن الشركة اللي صانت العربية.
قلت:
— دلوقتي؟
— من أقل من ساعة.
مها قالت:
— ده مش صدفة.
اللواء وقف.
— المستندات الخاصة بالصيانة كانت في المخزن.
قلت:
— اتحرقت؟
— كلها تقريبًا.
بصيت للموبايل.
افتكرت مكالمتي مع أبويا.
هو كان عارف إني في المستشفى.
وعارف إن العملية لازم تتم بسرعة.
ورفض يدفع.
مش بس رفض.
كذب على قائده القديم وقال إني رفضت مساعدته.
سألت:
— حضرتك ليه مهتم بالموضوع؟
اللواء عادل سكت.
وبعدين قال:
— لأن السواق اللي كان معاكي مات.
نزلت عيني.
الرقيب سامح.
كان عنده بنتين.
قلت:
— عارفة.
قال:
— وقبل ما يموت، قال كلمة واحدة.
رفعت عيني.
— قال إيه؟
— “اليخت.”
جسمي كله برد.
— اليخت؟
— أيوه.
ضحكت بتوتر.
— يمكن كان بيهذي.
— يمكن.
— إيه علاقة يخت داليا بالعربية؟
اللواء فتح موبايله.
وراني صورة.
كانت صورة اليخت في الحفل.
نفس اليخت اللي أهلي اشتروه بثمانية مليون.
قال:
— بصي على الاسم المكتوب على الجنب.
كبر الصورة.
كان اسم اليخت:
المرجانة.
قال:
— ده مش يخت جديد.
— إزاي؟
— كان مسجل قبل كده باسم شركة شحن أجنبية متهمة بتهريب معدات اتصال.
بصيت له.
ما فهمتش في الأول.
بعدين قلبي بدأ يدق بسرعة.
— الأجهزة اللي كانت في العربية…
— كانت متصادرة من شحنة مرتبطة بنفس الشركة.
سكتت الأوضة.
مها قالت:
— يعني اليخت ممكن يكون جزء من الق*ضية؟
اللواء هز راسه.
— أو الدليل اللي حد دفع ثمانية مليون علشان يملكه قبل ما السلطات تتحفظ عليه.
قلت:
— أبويا اشترى اليخت علشان داليا؟
— دي القصة اللي قالها.
— والحقيقة؟
— يمكن اشتراه علشان يخفي حاجة.
الألم في رجلي اختفى للحظة.
الخوف الأكبر غطى عليه.
قلت:
— إيه اللي كان على اليخت؟
اللواء قال:
— ده اللي السواق اكتشفه.
— سامح كان عارف؟
— واضح إنه شاف حاجة قبل الحادث.
موبايل اللواء رن تاني.
قرأ رسالة.
وشه اتغير.
مد لي الشاشة.
كانت صورة من حفلة اليخت.
أبويا واقف جنب داليا.
أمي ماسكة كاس.
ومازن واقف وراهم.
لكن في الخلف، عند باب الكابينة، ظهر رجل.
كنت أعرفه.
قلت:
— ده المهندس حسام.
مها سألت:
— مين؟
— المسؤول عن فحص الأجهزة المصادرة.
اللواء قال:
— اختفى بعد الحادث.
قلت:
— افتكرنا إنه هرب.
— وصلتنا معلومات إنه موجود على اليخت الليلة.
بصيت للصورة.
أبويا رفض يدفع 250 ألف علشان ينقذ رجلي.
وفي نفس الوقت، كان واقف يحتفل على يخت مرتبط بالشحنة اللي كنت بحرسها وقت الحادث.
سألت:
— إنت شاكك إن أبويا له علاقة بالحادث؟
اللواء قال:
— أنا مش عايزك تستنتجي قبل التحقيق.
— لكنك جاي تقول لي كل ده ليه؟
بص لي مباشرة.
— لأنك في خطر.
ضحكت بمرارة.
— أنا في مستشفى عسكري.
قال:
— والحريق حصل بعد ما أبوك عرف إن حد بدأ يسأل عن شركة الصيانة.
— حضرتك كلمته وقلت له؟
— لا.
— مين قال له؟
اللواء ما ردش.
وفجأة…
صوت إنذار الحريق اشتغل في الممر.
الممرضات بدأوا يجروا.
مكبر الصوت أعلن:
— برجاء إخلاء الجناح الثالث فورًا.
مها قامت بسرعة.
— في حريق؟
اللواء فتح الباب.
دخان خفيف كان طالع من آخر الممر.
لكن نظره ما راحش للدخان.
راح لراجل لابس زي عامل صيانة.
كان ماشي ناحية أوضتي.
وفي إيده شنطة معدنية.
أول ما شاف اللواء، وقف.
وبعدين لف يجري.
اللواء صرخ:
— قف!
الرجل جري ناحية السلم.
فرد الأمن لحقه.
مها حاولت تحرك الكرسي.
قلت:
— استني.
اللواء دخل الأوضة بسرعة، وأخذ الشنطة من جنب الباب.
كانت شنطة صغيرة العامل سابها لما هرب.
فتحها بحذر.
جواها جهاز إلكتروني وأسلاك.
ومؤقت بينزل.
كان فاضل عليه أقل من ثلاث دقائق.
مها صرخت:
— قنبلة؟
اللواء قال:
— اخرجوا حالًا!
الممرضة دخلت بالكرسي.
بدأوا يخرجوني من الأوضة.
وأنا بتسحب بعيد، بصيت للموبايل.
كان فيه اتصال داخل.
من داليا.
رديت.
صوتها كان مرعوب.
مش غاضب.
مش مدلل.
مرعوب.
قالت:
— ندى… لازم تساعديني.
قلت:
— إنتِ فين؟
همست:
— على اليخت.
— في إيه؟
قالت وهي بتبكي:
— بابا مش عارف إني سمعتهم.
— سمعتي مين؟
— بابا ومازن.
— بيقولوا إيه؟
جاء صوت رجل بعيد بيخبط على باب.
داليا شهقت.
قالت بسرعة:
— الحادث ماكانش صدفة.
قلبي وقف.
— إنتِ عارفة مين عمله؟
قالت:
— أيوه.
الخبط على الباب زاد.
داليا قالت:
— ندى… اليخت ما اتجابش عشاني.
— أمال اتجاب ليه؟
صوت الباب بدأ يتكسر.
داليا صرخت:
— علشان فيه حاجة مستخبية تحته… حاجة تمنها مش ثمانية مليون.
— إيه هي؟
قالت آخر جملة قبل ما الخط يتقفل:
— الحاجة دي تخصك إنتِ… وأبويا كان مستعد يقت*لك علشان ما تعرفيش.
وانقطع الاتصال.
في اللحظة نفسها، المؤقت وصل لثلاثين ثانية.
واللواء صرخ:
— الكل يبعد عن الجناح!
وأنا على الكرسي، وسط دخان وإنذار وصوت خطوات بتجري…
كنت عارفة إن الليلة ما بقتش عن العملية بس.
رجلي كانت في خطر.
لكن الحقيقة اللي داليا سمعتها…
كانت ممكن تقت*لنا إحنا الاتنين.
نهاية الجزء الثاني