رجع يفاجيء مراته حكايات اسما5والاخير

الجزء الخامس والأخير: الاختيار المستحيل

فضل عمر باصص لشاشة الموبايل، والفيديو واقف على صورة نادية وهي مربوطة على كرسي داخل الطائرة.

وشها كان شاحب.

إيديها مربوطين ورا ضهرها.

وفي جنبها جلال واقف بابتسامته الباردة.

أما كمال السيوفي، فكان قاعد قدام الكاميرا وكأنه بيتكلم في اجتماع شغل عادي، مش بيهدد حياة إنسانة.

رجع عمر شغل آخر ثواني من الفيديو.

صوت كمال اتكرر:

— الملف مقابل حياة نادية… والجزء الأخير هيحدد مين من أمهاتك هيعيش.

عمر قفل الشاشة بعنف.

سلمى كانت واقفة قدامه على كرسي متحرك، ووشها لسه مرهق من العملية، لكنها كانت مركزة معاه.

قالت:

— هما عايزينك تتصرف من غير ما تفكر.

عمر رد بصوت مخنوق:

— نادية اختفت من المستشفى وإحنا واقفين هنا. يعني في حد لسه شغال معاهم.

الضابط مد إيده للموبايل.

— ابعتهولي فورًا.

عمر بعت الفيديو.

الضابط اتصل بوحدة تتبع الطائرات الخاصة، وطلب مراجعة حركة الطائرة ومسارها.

مريم كانت واقفة بعيد.

أول ما سمعت كلمة “أمهاتك”، جسمها اترعش.

قالت:

— هو عايز يخليني أروح له.

عمر لف لها.

— مش هتروحي في حتة.

— كمال ما بيهددش من غير سبب. لو قال واحدة مننا هتموت، يبقى هو مجهز حاجة.

سلمى قالت:

— مش معنى كده إننا نمشي حسب خطته.

مريم بصت لها.

— أنا عشت سنين محبوسة بسببه. أعرف طريقته.

عمر قرب منها.

— وأنا مش هخليه يحبسك تاني.

قالت له بهدوء:

— إنت لسه بتكلمني كأني أمك من ساعة.

— إنتِ أمي.

دموعها لمعت.

— يمكن بالدم بس.

— الدم مش قليل.

— ونادية؟

عمر سكت.

كان غضبان منها.

مكسور بسببها.

لكن صورتها مربوطة جوه الطائرة ما خرجتش من دماغه.

مهما عملت، هي اللي ربته.

هي اللي كانت بتسهر لما يتعب.

هي اللي علمته يمشي.

هي اللي وقفت جنبه أول يوم مدرسة.

لكن نفس الست دي هي اللي حبست سلمى وعذبتها.

الحقيقة ما كانتش أبيض وأسود.

كانت حاجة أقسى.

قال عمر:

— نادية غلطت وارتكبت ج*ريمة، وهتتحاسب. بس مش هسيبهم يقت*لوها.

سلمى مدت إيدها ومسكت إيده.

— وده الصح.

بص لها.

— بعد كل اللي عملته فيكي، لسه بتقولي كده؟

سلمى خدت نفس ببطء.

— أنا مش بسامحها. لكن مش عايزة دمها يبقى على إيدنا.

الضابط رجع لهم.

— الطائرة هبطت في مهبط خاص تابع لشركة سياحة صحراوية على بعد حوالي ساعتين من هنا.

عمر قال:

— نتحرك.

الضابط رفع إيده.

— استنى. المهبط مسجل باسم شركة وهمية مرتبطة بكمال. حوالين المكان مخازن قديمة واستراحة كبيرة.

— يعني هما هناك؟

— غالبًا.

— غالبًا مش كفاية.

— عندنا فريق بيتحرك.

عمر قال:

— وأنا معاهم.

— لأ.

— دي أمي.

— وإنت مش ضابط.

— وأنا كمان الشخص الوحيد اللي عنده الملف.

الضابط قال:

— الملف مش هيخرج من حيازة النيابة.

عمر بص له.

— هما فاكرين إنه معايا. وده يخليني الطعم الوحيد اللي ممكن يطلعهم.

سلمى قالت بسرعة:

— عمر، لأ.

لف لها.

— لازم.

— كل مرة بتدخل بنفسك، بتعرض حياتك للخطر.

— وكل مرة بستنى، حد بيتخطف.

— إنت مش لوحدك دلوقتي.

بص ناحية الحضانة اللي فيها يوسف.

صمت.

سلمى كملت:

— عندك ابن محتاجك.

عمر قال:

— وعندي أم مخطوفة.

مريم قربت.

— أنا أروح.

عمر لف لها بعصبية:

— ولا إنتِ.

— كمال عايزني من زمان.

— علشان يسكتك.

— يمكن أقدر أشغله عن نادية.

— مش هبدل أم بأم.

الجملة خلت الكل يسكت.

عمر قالها بوضوح:

— مش هختار بينكم. هنرجعكم أنتم الاتنين.

الضابط بص له.

— محتاجين خطة.

قال عمر:

— نعمل نسخة من الملف.

— عندنا نسخة رقمية بالفعل.

— نخليه يفتكر إن الأصل معايا.

— وندخل لك جهاز تتبع.

— تمام.

سلمى قالت:

— وأنا؟

عمر بص لها.

— تفضلي جنب يوسف.

— ولو حصل لك حاجة؟

قرب منها، وركع قدامها.

— مش هيحصل.

— ما تقولش كلام مش ضامنه.

سكت لحظة.

ثم قال:

— هعمل كل اللي أقدر عليه علشان أرجع.

دموعها نزلت.

حطت إيدها على وشه.

— أنا استنيتك مرة ورجعت لقيتني بموت.

صوته اتكسر.

— عارف.

— المرة دي ما تتأخرش.

قبّل إيدها.

— مش هتأخر.

بعد أقل من ساعة، اتجهزت الخطة.

اتعمل ملف مطابق للأصلي.

في غلافه جهاز تتبع صغير.

وفي زرار قميص عمر كاميرا دقيقة.

وجهاز تسجيل في حزامه.

الشرطة هتفضل بعيدة لحد ما يتأكدوا من مكان نادية.

مريم أصرت تروح في عربية الشرطة القريبة، لكن ما تدخلش.

سلمى فضلت في المستشفى جنب يوسف، تحت حراسة مشددة.

قبل ما عمر يخرج، دخل الحضانة.

الممرضة سمحت له يقف دقيقة جنب ابنه.

كان يوسف لسه صغير وضعيف، لكن حالته بدأت تتحسن.

عمر حط صباعه جوه فتحة الحضانة.

يوسف حرك إيده الصغيرة، وقبض على طرف صباعه.

عمر حس قلبه بيتقطع.

همس:

— أنا راجع لك يا بطل.

خرج.

ركب العربية.

الطريق كان طويل وساكت.

الضابط قاعد جنبه.

قال له:

— أول ما تدخل، ما تعملش بطولة.

عمر بص قدامه.

— البطولة إني أرجعهم، مش إني أموت.

— لو شفت سلاح، ارفع إيدك.

— حاضر.

— لو طلبوا الملف، اديه لهم.

— حاضر.

— ولو طلبوا منك تختار؟

عمر لف له.

— مش هختار.

وصلوا قرب المنطقة.

الرمال حوالين المكان واسعة.

في البعيد ظهرت استراحة كبيرة محاطة بسور ومخزن معدني.

عربية سودا كانت مستنية عند بوابة جانبية.

وقف عمر بعيد.

اتصل كمال.

— انزل لوحدك.

— عايز أشوف نادية.

— هتشوفها لما تدخل.

— لأ. أشوفها الأول.

كمال سكت.

وبعدين قال:

— ارفع عينك ناحية البرج.

بص عمر.

في الدور التاني، ظهر جلال ماسك نادية من دراعها.

كانت واقفة بصعوبة.

كمال قال:

— شفتها؟

— شفتها.

— سيب موبايلك في العربية، وخد الملف.

عمر نزل.

ساب موبايله فعلًا، لكن جهاز التسجيل والكاميرا فضلوا معاه.

خد الملف المزيف.

مشي ناحية البوابة.

رجلين مسلحين فتشوه.

واحد منهم لقى جهاز التتبع في الملف.

رفع الملف وقال:

— في حاجة هنا.

عمر قلبه وقع.

الرجل فتح الغلاف، وطلع قطعة صغيرة.

كسرها تحت رجله.

من سماعة الضابط في العربية، الإشارة اختفت.

قال الضابط:

— اكتشفوا التتبع.

الفريق اتحرك خطوة، لكنه أمرهم يستنوا.

جوه، الرجل خد عمر ناحية المبنى.

دخل قاعة كبيرة.

كمال كان واقف عند ترابيزة.

جلال جنبه.

ونادية مربوطة على كرسي.

وشها عليه آثار ضرب.

أول ما شافت عمر، بدأت تعيط.

— ليه جيت؟

عمر بص لها.

— علشان أرجعك.

جلال ضحك.

— لسه طيب.

عمر بص له بكره.

— وإنت لسه جبان.

جلال قرب.

— خلي بالك من كلامك.

— إنت مش أبويا.

ملامح جلال اتغيرت لحظة.

كمال ابتسم.

— عرفت إذن.

عمر بص له.

كان أول مرة يقف قدام أبوه الحقيقي وهو عارف.

ما حسش بحاجة ناحيته.

لا شوق.

لا صدمة.

بس اشمئزاز.

قال:

— إنت أبويا بالتحليل بس.

كمال رد:

— الدم له حقوق.

— بعد ما حبست أمي سنين؟

— مريم كانت خطر.

— كانت إنسانة.

— كانت ضعيفة.

— وإنت استغليت ضعفها.

كمال قرب من عمر.

— أنا حميتك.

عمر ضحك.

— حميتني من إيه؟ من أمي؟ من حقيقتي؟

— حميتك من الفضيحة.

— الفضيحة كانت إنت.

جلال رفع مسدسه.

— كفاية كلام.

كمال مد إيده.

— الملف.

عمر حطه على الترابيزة.

كمال فتحه بسرعة.

قلب الورق.

بص لجلال.

— شكله الأصلي.

جلال قال:

— لازم نتأكد.

كمال طلع ورقة معينة.

قرأها.

ملامحه اتغيرت.

— دي نسخة.

عمر سكت.

كمال رفع عينه.

— فين الأصل؟

— عند النيابة.

جلال ضرب عمر بالقلم بعنف.

نادية صرخت:

— سيبه!

عمر رجع خطوتين، والدم نزل من شفته.

كمال قال:

— إنت فاكر إنك ذكي؟

— على الأقل ما قت*لتش ناس علشان أخبي حقيقتي.

كمال مسك رقبة عمر.

— الأصل فين؟

— قلت لك.

— هتتكلم.

— حتى لو ق*تلتني، الملف خرج.

جلال قال:

— يبقى نخلص منه.

كمال رد:

— لأ. لسه له استخدام.

نادية قالت بصوت ضعيف:

— أنا قلت لكم سيبوه.

جلال لف لها.

— إنتِ مالكيش كلام.

نادية بصت له بغضب.

— أنا ضيعت عمري بسببك.

— وإنتِ اخترتي.

— كنت بصدقك.

— دي مشكلتك.

عمر بص لنادية.

كان واضح إن حاجة جواها اتكسرت نهائيًا.

كمال قال:

— فين مريم؟

عمر ما ردش.

— عارف إنها خرجت من المركز.

— بعيدة عنك.

— مش لمدة طويلة.

— مش هتلمسها.

كمال ابتسم.

— عندك استعداد تحميها أكتر من الست اللي ربتك؟

عمر رد:

— الاتنين.

— ما ينفعش.

— ينفع.

كمال قرب من نادية، وحط المسدس على راسها.

— اختار.

نادية شهقت.

عمر فضل ثابت.

كمال قال:

— مريم تيجي هنا، أو نادية تموت.

— مش هجيبها.

— يبقى دمها في رقبتك.

عمر قال:

— لأ. في رقبتك إنت.

كمال ضغط المسدس أكتر.

— آخر فرصة.

نادية بصت لعمر.

دموعها نزلت.

قالت:

— ما تجيبهاش.

كمال لف لها.

— اسكتي.

نادية كملت:

— أنا عملت اللي ما يتغفرش. مريم مالهاش ذنب.

عمر بص لها.

لأول مرة من بداية الكابوس، سمع منها جملة فيها اعتراف حقيقي.

مش تبرير.

مش خوف.

اعتراف.

قالت:

— يا عمر… ما تختارشني.

صوته اتكسر.

— مش هختار حد يموت.

نادية قالت:

— اسمعني. أنا كنت أنانية. خفت تخدك مني، ففضلت أكذب. وكل كدبة جابت كدبة أكبر. ولما سلمى دخلت البيت، شفت فيها خطر بدل ما أشوفها بنت محتاجة الأمان.

سلمى كانت بتسمع من خلال البث عند الشرطة، بعد ما وصل الصوت من جهاز عمر الداخلي.

نادية كملت:

— أنا أذيتها. مفيش مبرر. ومهما قلت إني كنت خايفة، ده مش عذر.

عمر عينه دمعت.

كمال صرخ:

— اخرسي!

لكن نادية ما سكتتش.

— أنا اللي سلمت أم سلمى لجلال.

عمر اتجمد.

— إيه؟

نادية عيطت.

— اتصلت بيه وقلت له إنها عرفت مكان مريم.

جلال قال:

— اسكتي يا نادية.

— وأنا كنت عارفة إنهم هيخوفوها… بس ما كنتش أعرف إنهم هيقت*لوها.

عمر بص لها بصدمة.

— إنتِ السبب إن أم سلمى ماتت؟

— أيوه.

الجملة خرجت.

ثقيلة.

واضحة.

عمر حس غضب رهيب يطلع جواه.

لكنه شاف الندم الحقيقي على وشها.

قال:

— ليه؟

— علشان قالت لي إنك لازم تعرف الحقيقة. وأنا خفت أخسرك.

— فخلّيتي سلمى تخسر أمها؟

نادية قفلت عينيها.

— أنا آسفة.

عمر رد بصوت بارد:

— آسف مش كفاية.

— عارفة.

كمال قال لجلال:

— خلص.

جلال رفع المسدس ناحية نادية.

في اللحظة دي، نادية زقت الكرسي برجليها بكل قوتها.

وقعت على جنب.

الطلقة خرجت وضربت الحيطة.

عمر اندفع ناحية جلال.

مسك إيده.

الاتنين وقعوا على الأرض.

كمال رفع سلاحه ناحية عمر.

لكن نادية، وهي مربوطة، مدت رجلها وخبطت في ركبة كمال.

اختل توازنه.

الطلقة خرجت في السقف.

بره، الضابط سمع الطلقات.

أعطى أمر الاقتحام.

الشرطة كسرت البوابة.

جلال ضرب عمر في بطنه.

عمر اتألم، لكنه مسك إيده اللي فيها السلاح.

كمال قام.

رفع المسدس ناحية نادية.

وقال:

— إنتِ السبب في كل حاجة.

نادية بصت له.

— لأ… إنت السبب إني صدقت إن الخوف حب.

قبل ما يضرب، صوت طلقة جه من الباب.

السلاح وقع من إيد كمال.

الضابط دخل.

— ارموا السلاح!

كمال مسك نادية من رقبتها، وحط مسدس صغير كان مخبيه عند خصره جنب راسها.

رجال الشرطة وقفوا.

قال كمال:

— أي حد يقرب، هق*تلها.

عمر قام بصعوبة.

— سيبها.

كمال ضحك.

— مهتم بيها رغم كل اللي عملته؟

— الحساب مش بتاعك.

— هي خانتك.

— وأنا هخلي القانون يحاسبها.

نادية بصت لعمر.

في عينيها كان فيه امتنان موجع.

كمال بدأ يتحرك بيها ناحية الباب الخلفي.

جلال حاول يزحف ناحية سلاحه.

الضابط شافه.

— مكانك!

جلال وقف.

كمال وصل للباب.

قال:

— العربية جاهزة.

لكن فجأة، صوت مريم جه من بره:

— كمال!

كمال اتجمد.

عمر لف.

مريم كانت واقفة خلف عربيات الشرطة.

خرجت من العربية رغم أوامرهم.

كمال وشه اتغير.

— مريم.

قالت:

— سيب نادية.

— إنتِ جيتي بنفسك.

— أيوه.

عمر صرخ:

— مريم، ارجعي!

قالت من غير ما تبص له:

— طول عمري بهرب. كفاية.

كمال ابتسم.

— تعالي هنا.

مريم مشت خطوة.

الضابط قال لها:

— توقفي.

لكنها كملت.

قالت لكمال:

— سيبها وأنا أجي معاك.

نادية صرخت:

— لأ!

مريم بصت لها.

— إنتِ ربيتي ابني.

نادية دموعها نزلت.

— وأنا أذيته.

— ومع ذلك ربيتيه.

— ما استحقش.

— ده مش وقت الحكم.

كمال قال:

— قربّي.

مريم قربت.

عمر كان بيراقب كل حركة.

شاف إيد كمال ثابتة على نادية.

وشاف جلال واقف جنب الحيطة.

وشاف زجاجة وقود صغيرة مرمية عند الباب.

فهم إن المكان ممكن يكون مفخخ.

قال:

— كمال، إنت مش هتخرج.

كمال قال:

— ابني ما يأمرنيش.

عمر رد:

— أنا مش ابنك.

الجملة استفزته.

لف رأسه ناحية عمر للحظة.

كانت اللحظة اللي نادية مستنياها.

عضت إيده بكل قوتها.

كمال صرخ.

السلاح اتحرك بعيد عن راسها.

مريم اندفعت وسحبت نادية.

الضابط ضرب النار على كتف كمال.

وقع.

جلال جري ناحية الباب الخلفي.

عمر لحقه.

خرجوا للمخزن.

جلال رمى صناديق في طريقه.

عمر عدى وراه.

وصلوا عند خزان وقود.

جلال وقف ورفع ولاعة.

— خطوة كمان وأنا أولع المكان.

عمر وقف.

— هتموت.

جلال ضحك.

— موتي أحسن من السجن.

— إنت هربت طول عمرك من الموت.

— أنا كنت بحب الحياة.

— لأ. كنت بتحب السيطرة.

جلال قرب الولاعة من الوقود.

— ارجع.

عمر ما اتحركش.

قال:

— إنت مش أبويا.

— عارف.

— ومع ذلك استخدمتني طول السنين.

— كنت وسيلة.

— وسلمى؟

— بنت أمها.

— ويوسف؟

— غلطة.

عمر عينه اتملت غضب.

— ده ابني.

جلال ابتسم.

— وده اللي هيخليك ضعيف طول عمرك.

عمر قال:

— هو اللي خلاني قوي.

جلال ولع الولاعة.

قبل ما يرميها، طلقة ضربت إيده.

الولاعة وقعت بعيد.

الضابط كان واقف عند الباب.

رجال الشرطة هجموا على جلال وكبلوه.

جلال كان بيصرخ:

— إنتوا مش فاهمين! في ناس أكبر مني!

الضابط قال:

— هتقول أسماءهم كلهم في التحقيق.

عمر وقف قدامه.

جلال بص له بكراهية.

— إنت فاكر إنك كسبت؟

عمر رد:

— أنا رجعت عيلتي. والباقي مش مهم.

جلال ضحك.

— عيلتك؟ نادية مجرمة. مريم مكسورة. وسلمى عمرها ما هتسامحك إنك سبتها مع أمك.

عمر قرب منه.

— يمكن كل ده صح. لكن الفرق بيني وبينك إني مش ههرب من الحقيقة.

خرجوا.

كمال كان بيتنقل على نقالة تحت الحراسة.

نادية كانت قاعدة على الأرض، ومريم جنبها.

أول ما شافت عمر، حاولت تقوم.

قالت:

— إنت كويس؟

هز راسه.

بص لمريم.

— وإنتِ؟

قالت:

— كويسة.

نادية قالت:

— أنا جاهزة أعترف بكل حاجة.

الضابط بص لها.

— ده يتعمل رسميًا.

قالت:

— هقول عن أم سلمى. وعن الحبس. وعن الدكتور سامح. وعن كل ورقة زورناها.

عمر فضل باصص لها.

قالت له:

— مش بطلب منك تسامحني.

— كويس.

وشها اتوجع، لكنها هزت راسها.

— بس بطلب منك تحمي سلمى ويوسف.

— دي مش حاجة تطلبيها. ده واجبي.

— وأمك؟

عمر بص لمريم.

نادية فهمت.

قالت بصوت خافت:

— عندك حق.

بعد ساعات، رجع عمر المستشفى.

سلمى كانت مستنياه.

أول ما دخل، قامت من الكرسي بالعافية.

مشي ناحيتها.

حضنته.

قالت:

— رجعت.

— رجعت.

— نادية؟

— عايشة.

— ومريم؟

— عايشة.

— وكمال وجلال؟

— اتقبض عليهم.

سلمى قفلت عينيها ودفنت وشها في صدره.

فضلوا كده وقت طويل.

بعدها دخلوا الحضانة.

الدكتور قال إن حالة يوسف اتحسنت.

بدأ يتنفس فترات قصيرة من غير الجهاز.

سلمى حطت إيدها على الزجاج.

قالت:

— هو اللي خلانا نكمل.

عمر قال:

— وإنتِ اللي أنقذتيه.

بصت له.

— إحنا الاتنين.

بعد أيام، بدأت التحقيقات تكشف كل شيء.

كمال السيوفي كان بيستخدم شبكة المستشفيات في تزوير تقارير طبية وإخفاء أشخاص مقابل المال.

جلال كان شريكه في تزوير عقود الأراضي وغسيل الأموال.

الدكتور سامح اعترف إنه كتب التقارير المزورة مقابل تسديد ديونه.

رنا اعترفت بدورها في محاولة توريط سلمى، وفي إرسال الممرضة المزيفة.

ليلى تعاونت مع التحقيق، وقالت إنها خطفت يوسف تحت تهديد والدها، لكنها حافظت عليه في الحضانة المتنقلة، وده خفف موقفها لكنه ما ألغاش جريمتها.

ونادية اعترفت بكل شيء.

اعترفت إنها حبست سلمى.

منعتها من الأكل.

أخذت موبايلها.

زورت رسائلها.

اعتدت عليها.

وربطتها.

وكمان اعترفت إنها أبلغت جلال عن أم سلمى، وهي عارفة إنها بتعرضها للخطر.

النيابة وجهت لها اتهامات خطيرة.

قبل ما تتنقل للسجن، طلبت تقابل سلمى.

في البداية، عمر رفض.

لكن سلمى قالت:

— هقابلها.

دخلت نادية غرفة الزيارة.

كانت لابسة هدوم الحبس.

من غير مكياج.

من غير كبرياء.

قعدت قدام سلمى.

فضلت ساكتة.

سلمى قالت:

— عندك حاجة تقوليها؟

نادية رفعت عينيها.

— أنا مش جاية أطلب السماح.

— كويس.

— أنا جاية أقول لك إنك كنتِ صح من أول يوم.

سلمى سكتت.

— كنتِ بتقولي لعمر إن تصرفاتي مش طبيعية. وهو كان بيدافع عني.

عمر نزل عينه.

نادية كملت:

— وأنا استغليت ده. استغليت حبه ليا.

سلمى قالت:

— ليه كرهتيني؟

نادية فكرت.

— لأنك خليتيني أحس إني مش أهم ست في حياته.

— هو ابنك، مش جوزك.

نادية دموعها نزلت.

— عارفة دلوقتي.

— دلوقتي بس؟

— أنا كنت بفسر الخوف على إنه حب. والسيطرة على إنها حماية.

سلمى قالت:

— إنتِ كنتِ عايزة تق*تليني؟

نادية سكتت طويلًا.

— في الأول لأ.

— وبعدين؟

— بعدين بقيت عايزة الطفل ينزل. كنت فاكرة إن كل حاجة هترجع زي الأول.

سلمى دموعها نزلت، لكنها ما بصتش بعيد.

— يوسف كان ممكن يموت.

— عارفة.

— وأنا كنت ممكن أموت.

— عارفة.

— أمي ماتت بسببك.

نادية انهارت.

— عارفة.

سلمى خدت نفس.

— أنا مش هسامحك دلوقتي. ويمكن ما أسامحكيش أبدًا.

نادية هزت راسها.

— حقك.

— بس مش هربي ابني على الكراهية.

نادية رفعت عينيها بسرعة.

— يعني ممكن أشوفه؟

عمر تدخل:

— ده مش قرار دلوقتي.

سلمى قالت:

— لما يكبر، هنعرفه الحقيقة بطريقة تناسب سنه. وإنتِ لو خرجتِ يوم، ورجعتي إنسانة مختلفة فعلًا، ساعتها لكل حادث حديث.

نادية بكت.

— شكرًا.

سلمى ردت:

— ما تشكرينيش. أصلحي اللي ينفع يتصلح.

بعد شهرين، خرج يوسف من المستشفى.

كان صغير، لكنه بصحة أفضل.

عمر حمله أول مرة من غير أسلاك ولا أجهزة.

إيده كانت بتترعش.

قال:

— ده أخف من السرير اللي عملته.

سلمى ضحكت لأول مرة من قلبها.

— السرير اتحرق.

— هعمل له واحد جديد.

— المرة دي خليه بسيط.

— لا. هعمله أقوى.

— إنت بتتكلم عن السرير ولا عن حياتنا؟

بصلها.

— الاتنين.

رجعوا البيت.

لكنهم ما رجعوش نفس البيت القديم.

باع عمر المكان.

قال إنه مش عايز سلمى تعيش في بيت كل حيطانه شايلة ذكرى الخوف.

اشتروا شقة صغيرة في مكان هادي.

أول يوم، دخل شايل يوسف.

وسلمى دخلت وراه.

مريم كانت مستنياهم.

بدأت علاج نفسي طويل علشان تتعامل مع سنين الحبس وفقدان الذاكرة.

كانت أحيانًا تنسى.

وأحيانًا تفتكر تفاصيل مؤلمة.

لكنها بدأت تعرف عمر من جديد.

مش كطفل ضاع منها.

كرجل عنده زوجة وابن.

في يوم، كانت شايلة يوسف وقالت:

— شبهك.

سلمى ضحكت.

— كل واحد يشوفه يقول شبهه.

مريم بصت لعمر.

— لأ. هو عنده نفس نظرة عينيك وإنت صغير.

عمر قعد جنبها.

— فاكراني وأنا صغير؟

قالت:

— فاكرة ريحة شعرك.

عينه دمعت.

مريم لمست وشه.

— كنت فاكرة إنك مت.

قال:

— وأنا كنت فاكر إنك متي.

حضنها.

من بعيد، سلمى كانت بتبص لهم.

مش بغيرة.

براحة.

بعد ست شهور، بدأت المحاكمة.

الأدلة كانت قوية.

الملف الأصلي كشف عشرات الجرائم.

كمال اتدان بتهم الخطف والاحتجاز والتزوير والمشاركة في القت*ل.

جلال اتدان بالمشاركة في جرائم قت*ل وتزوير وغسيل أموال.

الدكتور سامح ورنا اتدانوا في قضايا متعددة.

ليلى أخدت حكمًا مخففًا نسبيًا بسبب تعاونها وإنقاذها الطفل من الق*تل، لكنها اتحاسبت على الخطف.

ونادية اعترفت من غير ما تحاول تنكر.

القاضي سألها:

— هل تعرضتِ لضغط أو تهديد وقت الاعتراف؟

قالت:

— لا.

— هل تعترفين بالاعتداء على سلمى؟

— نعم.

— هل تعترفين بالمشاركة في احتجازها؟

— نعم.

— هل كنتِ مدركة إن أفعالك قد تسبب وفاتها أو وفاة الجنين؟

نادية بكت.

— نعم.

عمر كان قاعد في القاعة جنب سلمى.

نادية بصت لهم.

سلمى ما حوّلتش نظرها.

الحكم كان قاسيًا.

لكن عادل.

بعد الجلسة، خرج عمر وسلمى.

الصحفيين تجمعوا حواليهم.

لكن عمر رفض يتكلم.

قال جملة واحدة:

— دي مش قصة فضيحة عائلية. دي قصة ست ما صدقناهاش بدري، ودفعت تمن سكوتنا.

مسك إيد سلمى ومشي.

بعد سنة كاملة، كان عمر في الورشة الصغيرة اللي فتحها.

قرر يسيب الشغل اللي كان بيبعده بالشهور.

بدأ يصنع أثاث أطفال.

أول سرير عمله كان ليوسف.

خشب فاتح.

جوانبه قوية.

ومكتوب عليه اسمه.

سلمى دخلت الورشة شايلة يوسف.

كان بدأ يمشي خطوتين ويتعلق في الحيطان.

قالت:

— ابنك بيكسر كل حاجة في البيت.

عمر شاله.

— ده ابني فعلًا.

سلمى قالت:

— الدكتور قال إنه كويس تمامًا.

عمر ضمه.

— الحمد لله.

قالت:

— مريم جاية تتغدى معانا.

— تمام.

سكتت لحظة.

— وجالك جواب من نادية.

ملامحه اتغيرت.

ناولته الظرف.

فتحه.

كان مكتوب بخط إيدها:

“يا عمر، أنا عارفة إن مفيش جواب يقدر يصلح اللي عملته. بقالي سنة بتعلم أقول الحقيقة لنفسي من غير أعذار. كنت فاكرة إن الأم اللي تحب ابنها لازم تفضل أهم إنسانة عنده. لكن الحقيقة إن الأم اللي تحب ابنها، تفرح لما يلاقي بيتًا آمنًا بعيدًا عنها. أنا خربت بيتك بدل ما أحميه. مش بطلب زيارة ولا رد. بس بطلب إنك تقول لسلمى إني فاكرة كل يوم من الأيام اللي أذيتها فيها، وإن اعترافي مش علشان أخفف حكمي، لكن علشان ما أموتش وأنا لسه بكذب. ربنا يحفظ يوسف.”

عمر خلص الرسالة.

سلمى قالت:

— هترد؟

فكر.

— مش دلوقتي.

— زعلان؟

— مش عارف أسمي اللي حاسه.

قالت:

— مش لازم تسميه.

بص لها.

— إنتِ ممكن في يوم تسامحيها؟

سلمى بصت ليوسف.

— السماح مش معناه نرجع نفتح الباب لنفس الأذى. يمكن في يوم قلبي يهدى. لكن الثقة لما بتتكسر بالشكل ده، مش بترجع زي الأول.

عمر هز راسه.

— عندك حق.

قربت منه.

— وإنت؟

قال:

— أنا يمكن أسامحها كأم ربتني. لكن مش هنسى إنها كانت لازم تتحاسب كإنسانة أذت مراتي وابني.

سلمى ابتسمت بحزن.

— ده أعدل جواب.

في المساء، قعدوا كلهم على السفرة.

مريم.

عمر.

سلمى.

ويوسف في كرسيه الصغير، بيخبط بالمعلقة على الطبق.

البيت كان مليان صوت.

صوت ضحك.

صوت أطباق.

صوت طفل.

عمر وقف لحظة عند باب الصالة.

افتكر أول يوم رجع فيه.

السكون.

الخوف.

البطانية التقيلة.

الكدمات.

دلوقتي البيت عمره ما كان هادي.

وسلمى عمرها ما بقت تخاف من صوت مفتاح في الباب.

كل مرة عمر يدخل، ينادي من بره:

— أنا جيت.

فترد وهي بتضحك:

— عارفين… يوسف قلب البيت أول ما سمع صوتك.

دخل وقفل الباب.

مش بالمفتاح علشان يمنع حد يخرج.

لكن علشان يحمي بيتهم من أي حد يحاول يدخل من غير إذن.

شال يوسف.

وباس سلمى على راسها.

مريم قالت له:

— إنت طالع لأمك في العند.

ضحكت سلمى:

— أنهي أم فيهم؟

الكل سكت لحظة.

وبعدين عمر ضحك.

وقال:

— الحمد لله إني طلعت لنفسي في الآخر.

ضحكوا كلهم.

وفي الليلة دي، نام يوسف في السرير الخشب الجديد.

سلمى وقفت جنبه.

قالت لعمر:

— فاكر السرير الأول؟

— عمري ما هنساه.

— زعلان عليه؟

بص لابنه.

— لأ.

— ليه؟

— علشان السرير اتحرق… لكن الحلم ما اتحرقش.

سلمى مسكت إيده.

— وإحنا؟

ضمها.

— إحنا بدأنا من جديد.

خلفهم، كان يوسف نايم بأمان.

وقدامهم، كانت حياة ما فيهاش أسرار.

ولا أبواب مقفولة.

ولا خوف مستخبي تحت البطاطين.

بس بيت صغير…

مليان صوت.

ومليان نور.

ومليان ناس اختاروا إنهم يكسروا دائرة الأذى…

بدل ما يورثوها للطفل اللي دفع أغلى تمن قبل حتى ما يفتح عينه على الدنيا.

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *