مراتي اجبرت بنتي حكـايـات أسمـا ×2
الفصل السادس
أول ما شفت الدكتور خارج…
جريت عليه.
قلت بلهفة:
“بنتي عاملة إيه؟”
الدكتور هدىني بإيده.
وقال:
“اهدى يا حاج.”
“هي بخير إن شاء الله.”
“لكن حصلت لها انقباضات مبكرة.”
حسيت إن رجلي مش شايلاي.
سندت على الحيطة.
وقلت:
“والبيبي؟”
ابتسم.
وقال:
“نبضه كويس.”
“بس لازم تفضل تحت الملاحظة.”
الحمد لله…
أول كلمة خرجت من لساني.
دخلت أشوف إيمان.
لقيتها على السرير.
وشها مرهق.
لكن أول ما شافتني…
ابتسمت.
وقالت:
“خضيتك يا بابا.”
مسكت إيدها.
وقلت:
“إوعي تعمليها تاني.”
ضحكت رغم تعبها.
وقالت:
“حاضر.”
كريم كان واقف في الركن.
واضح عليه الإرهاق.
قربت منه.
وحضنته.
وقلت:
“ربنا يقويك يا ابني.”
قال:
“أنا كنت هموت من الخوف.”
عدت ساعات.
والدكتور طمنا.
وقال إن الانقباضات وقفت.
لكن لازم راحة تامة.
وأي ضغط نفسي ممنوع.
الكلمة دي…
فضلت ترن في وداني.
“ضغط نفسي.”
افتكرت اللي حصل في بيتي.
وحسيت بوخزة في قلبي.
لو كانت الليلة دي…
حصلت وهي نايمة على المرتبة الهوائية؟
لو تعبت…
وماحدش حس بيها؟
استغفرت ربنا.
وحمدته إن الأمور عدت على خير.
الصبح…
رجعنا بإيمان البيت.
وقبل ما أمشي…
قلت لكريم:
“من النهارده…”
“أنا هجيب كل احتياجات البيت.”
اعترض.
وقال:
“يا عمي…”
“إحنا الحمد لله مستورين.”
قلت:
“عارف.”
“لكن دي فرحتي بحفيدي.”
ابتسم.
وما قدرش يرفض.
بعد أسبوعين…
إيمان بدأت تتحسن.
وبطنها كبرت أكتر.
وفي يوم…
كنت قاعد في الجنينة.
لقيت سلوى جايالي.
قعدت قدامي.
وقالت:
“ممكن أطلب منك طلب؟”
قلت:
“اتفضلي.”
قالت:
“عايزة أروح لإيمان لوحدي.”
استغربت.
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“مش علشان أصلح صورتي.”
“علشان أصلح نفسي.”
وافقت.
راحتلها.
وقعدت عندها أكتر من ثلاث ساعات.
ولما رجعت…
كانت عينيها حمرا من العياط.
ما سألتهاش.
لكن بالليل…
دخلت أوضتي.
وقالت:
“إيمان وريّتني المرتبة.”
بصيتلها.
قالت وهي بتبكي:
“لسه محتفظة بيها.”
“قالت إنها كل ما تبص لها…”
“تفتكر الليلة دي.”
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
“أنا عمري ما هسامح نفسي.”
قلت:
“المهم تتعلمي.”
هزت راسها.
وقالت:
“تعلمت.”
ومن يومها…
اتغيرت فعلًا.
مش بالكلام.
بالمواقف.
بقت أول واحدة تتصل بإيمان.
وأول واحدة تروح لها.
وأول واحدة تسألها لو محتاجة حاجة.
لكن رغم ده كله…
إيمان كانت بتعاملها باحترام…
من غير ما تفتح قلبها.
لأن القلب…
مش زرار.
يتقفل ويتفتح.
وفي آخر الشهر…
الدكتور قال إن الولادة ممكن تحصل في أي وقت.
بدأنا نجهز نفسنا.
شنطة المستشفى جاهزة.
العربية مليانة بنزين.
والكل مستني التليفون.
وفي ليلة ممطرة…
الساعة كانت الثالثة فجرًا…
رن هاتفي.
رديت بسرعة.
كان كريم.
لكن المرة دي…
ماكانش بيتكلم.
كل اللي سمعته…
كان صوت صراخ إيمان في الخلفية…
وبعدين قال جملة واحدة خلت قلبي يقف:
“يا عمي…
البيبي نازل دلوقتي… والطرق كلها واقفة بسبب المطر!”
الفصل السابع
لبست هدومي في أقل من دقيقة.
خطفت مفاتيح العربية.
وسلوى صحيت مفزوعة.
قالت:
“في إيه؟”
قلت:
“إيمان بتولد.”
من غير ما تسأل.
لبست إسدالها بسرعة.
وقالت:
“أنا جاية معاك.”
نزلنا.
الدنيا كانت مطر.
والشوارع شبه واقفة.
المياه مغرقة الطرق.
والمساحات اللي كنت بعديها في عشر دقايق…
خدت أكتر من نص ساعة.
طول الطريق…
كريم كان بيكلمني.
“يا عمي… بسرعة.”
“الطلق قرب.”
“إيمان تعبانة.”
وأنا أقول له:
“خليك هادي.”
“الإسعاف جاية؟”
قال:
“طلبناها.”
“بس متأخرة.”
لما وصلنا…
لقيت كريم واقف قدام العمارة.
وشه أصفر.
أول ما شافني…
فتح الباب بسرعة.
طلعنا.
دخلت لقيت بنتي ماسكة بطنها.
ووشها كله عرق.
أول ما شافتني…
قالت:
“بابا…”
مسكت إيدها.
وقلت:
“أنا هنا.”
“مش هسيبك.”
بعد عشر دقايق…
وصلت الإسعاف.
ونزلنا بيها.
أنا وكريم ركبنا ورا.
وسلوى ركبت في العربية ورا الإسعاف.
وصلنا المستشفى.
الدكاترة استلموا الحالة.
وأخرجونا برة.
الساعات دي…
كانت أطول ساعات في حياتي.
أنا وكريم…
رايحين جايين قدام غرفة العمليات.
ولا واحد فينا قادر يقعد.
سلوى كانت قاعدة في الركن.
وإيديها مرفوعة.
بتدعي وهي بتعيط.
بعد حوالي ساعة…
باب العمليات اتفتح.
خرج الدكتور.
ابتسم.
وقال:
“مبروك.”
“ربنا رزقكم بولد زي القمر.”
أنا وكريم حضنّا بعض.
وإحنا بنعيط.
قلت بسرعة:
“وإيمان؟”
قال:
“الحمد لله.”
“هي والبيبي بخير.”
سجدت لله في مكانى.
وحمدته.
بعد شوية…
الممرضة خرجت وهي شايلة البيبي.
وقالت:
“مين جده؟”
رفعت إيدي وأنا بضحك وبعيط في نفس الوقت.
حطته بين إيديا.
أول مرة أشيله.
كان صغير…
ودافي…
ومغمض عينيه.
افتكرت أمه وهي صغيرة.
وافتكرت أمها…
ورسالتهـا.
وقلت في سري:
“اطمني.”
“بنتنا بقت أم.”
سلوى كانت واقفة بعيد.
بتبص للطفل.
لكن ما قربتش.
قالت بهدوء:
“أنا ما استحقش أشيله.”
إيمان سمعت الكلام…
من أوضة الإفاقة.
وقالت بصوت ضعيف:
“خلوها تدخل.”
دخلت سلوى.
وقفت جنب السرير.
وهي بترتعش.
قالت:
“مبروك يا إيمان.”
إيمان ابتسمت.
وقالت للممرضة:
“اديهولها.”
الممرضة حطت الطفل في حضن سلوى.
أول ما لمسته…
انهارت في البكاء.
وقالت:
“سامحيني.”
إيمان ردت بهدوء:
“أنا قلتلك قبل كده…”
“سامحت.”
“وأهو ابنك الصغير…”
“يمكن يخلينا نبدأ من جديد.”
سلوى حضنت الطفل.
وقالت:
“أوعدك…”
“عمره ما هيشوف مني إلا الخير.”
بصيت للمنظر…
وحسيت إن ربنا…
أحيانًا بيجبر الخواطر…
بطريقة محدش يتوقعها.
بعد أسبوع…
رجعنا كلنا البيت.
لكن المرة دي…
ماحدش نام في الطرقة.
أول حاجة عملتها…
إني فكيت المرتبة الهوائية.
بصيت لها شوية.
وبعدين قلت:
“انتهى دورها.”
لكن إيمان قالت:
“استنى يا بابا.”
أخدتها.
وحطتها في كيس كبير.
قلت:
“هتعملي بيها إيه؟”
ابتسمت.
وقالت:
“هحتفظ بيها.”
“مش علشان الوجع…”
“علشان أفضل فاكرة…”
“إن الإنسان لازم يختار دايمًا الرحمة.”
وقتها…
بصيت لحفيدي وهو نايم.
وقلت لنفسي:
البيوت مش بتتبني بالطوب…
البيوت بتتبني بالعدل.
وأول ليلة نام فيها حفيدي في سريره… كانت نهاية الليلة الوحيدة اللي نامت فيها أمه على مرتبة في الطرقة.
تمت.الفصل الثامن (بعد سنة)
عدت سنة كاملة…
بسرعة.
البيت…
بقى مختلف.
الضحكة رجعت.
وصوت حفيدي…
بقى مالي كل مكان.
سموه…
آدم.
وكل ما يدخل البيت…
يجري ناحيتي وهو بيضحك.
ويناديني:
“جدو…”
وأنا أنسى كل تعب الدنيا.
إيمان بقت أقوى.
ورجعت شغلها بالتدريج.
وكريم…
اترقى في شغله.
وقرروا يفضلوا قريبين مننا.
أما سلوى…
فكانت أكتر واحدة اتغيرت.
مش بالكلام…
بالتصرفات.
كل أسبوع…
تروح لإيمان.
تساعدها.
تطبخلها.
وتقعد مع آدم علشان يسيبوا لهما شوية وقت لنفسهما.
لكنها عمرها…
ما حاولت تمحي الماضي.
كانت دايمًا تقول:
“الخطأ الكبير…
يفضل درس العمر.”
وفي يوم…
كنت برتب المخزن.
ولقيت الكيس الكبير.
فتحتُه.
لقيت المرتبة الهوائية.
فضلت أبص لها دقيقة كاملة.
دخلت سلوى.
ولما شافتها…
وقفت مكانها.
قالت:
“لسه موجودة؟”
قلت:
“آه.”
قالت وهي بتتنهد:
“كل مرة أشوفها…
بحس إني لسه واقفة في نفس الليلة.”
في اللحظة دي…
دخلت إيمان.
وكانت شايلة آدم.
بصت للمرتبة.
وبعدين بصتلنا.
وقالت بابتسامة هادئة:
“خلاص يا جماعة.”
“سيبوها تمشي.”
سألتها:
“يعني إيه؟”
قالت:
“كلنا اتعلمنا.”
“وأنا مش عايزة حاجة في البيت تفكرنا بأسوأ يوم.”
خدت المرتبة بنفسها.
ونزلنا كلنا.
قدام جمعية خيرية قريبة.
كانت في أسرة بسيطة…
بتستلم فرش وأغطية.
إيمان سلمتها لهم.
وقالت:
“يمكن تكون سبب في راحة حد.”
رجعنا العربية.
وسلوى كانت ساكتة.
وفجأة…
مسكت إيد إيمان.
وقالت:
“شكراً.”
إيمان ابتسمت.
وقالت:
“على إيه؟”
قالت:
“إنك ما خلتنيش أفضل أسيرة غلطي.”
إيمان ردت بهدوء:
“كلنا بنغلط.”
“بس مش كل الناس…
بتعرف تعترف.”
وأنا كنت سايق…
وسامع الكلام.
وحسيت إن مراتي الأولى…
لو كانت شايفة بنتها دلوقتي…
كانت هتفتخر بيها.
ولما رجعنا البيت…
جري آدم ناحية أوضة الضيوف.
فتح الباب.
وقف في النص.
وضرب بإيده على السرير وهو بيضحك.
وقال بكلامه الصغير:
“دي أوضة الضيوف.”
ضحكنا كلنا.
بصيت لسلوى.
لقيتها بتبكي.
لكن المرة دي…
دموعها ما كانتش دموع ندم.
كانت دموع امتنان…
إن ربنا اداها فرصة…
تصلح قبل ما يفوت الأوان.
ومن يومها…
بقى عندنا قانون واحد في البيت.
أي حد يدخل…
لازم يحس إنه في بيته.
لأن الكرامة…
أول ضيافة.
والرحمة…
أغلى هدية ممكن يسيبها الإنسان بعده.