بعد وفاة جوزي حكـايـات أسمـا السـيد ×2
الفصل الثالث: الاعتراف الذي حمله ثلاثون عامًا
فضلت أبص للظرف الصغير كذا دقيقة.
إيدي كانت بتترعش.
نادية قالت بهدوء:
“أنا عمري ما فتحته.”
بصيت لها باستغراب.
“إزاي؟”
قالت:
“هو سلمني الرسالة الكبيرة من شهر، وقال لي: لو مراتي هي اللي هتجيبها، يبقى هي صاحبة القرار. ولو ماجتش… احرقي الظرف الصغير من غير ما تفتحيه.”
أخدت نفسًا طويلًا.
وفكيت الدبوس.
وفتحت الظرف.
كان فيه ورقة واحدة بس.
لكن واضح إنها اتكتبت بعد صراع طويل.
بدأت أقرأ.
“زوجتي الحبيبة…
لو وصلتي للورقة دي، يبقى قررتي تعرفي كل حاجة.
وأنا مدين لك باعتذار كان لازم أقوله من سنين.”
دموعي نزلت.
كملت.
“أنا ما كنتش السبب إن الولد اتربى بعيد عني.
لكن كنت السبب في إنه ما يعرفنيش أبدًا.”
وقفت عن القراءة.
إيه المقصود؟
رجعت أكمل.
“بعد ما الأسرة تبنته بسنة تقريبًا…
وصلني خطاب من محاميهم.”
“كانوا عايزين يعرفوا كل حاجة عن ماضي الطفل.”
“وقالوا إن وجود أي شخص من الماضي ممكن يربكه نفسيًا.”
“المحامي قال لي:
لو بتحبه بجد… سيبه يبدأ حياته من جديد.”
حسيت بغصة.
“كتبت لهم كل المعلومات اللي أعرفها…
وبعدين وقعت على تعهد إني ما أحاولش أتواصل معاه.”
بصيت لنادية.
“هو مضى على كده؟”
هزت رأسها.
“أيوه.”
“وكان فاكر إنه بيعمل الصح.”
رجعت للرسالة.
“في البداية كنت مقتنع إن ده أفضل حل.”
“لكن بعد كام سنة…
بدأت أندم.”
“كل عيد ميلاد كنت أحسب عمره.
كل مرة أشوف ولد في سنه… كنت أفتكره.”
“لحد ما بعد حوالي عشرين سنة…
عرفت بالمصادفة إنه بقى دكتور.”
ابتسمت رغم دموعي.
قلت:
“الحمد لله.”
لكن الرسالة كملت.
“وقفت قدام المستشفى اللي بيشتغل فيها ساعات.
كنت بشوفه داخل وخارج.”
“كنت نفسي أقوله: أنا الراجل اللي وعد أمك إنه ما يسيبكش.”
“لكن كل مرة كنت أفتكر توقيعي…
وأرجع.”
نادية قالت:
“كان بيقف بعيد جدًا.”
“ولا مرة حاول يكلمه.”
“ولا مرة قرب منه.”
سألتها:
“إنتِ كنتِ تعرفي؟”
قالت:
“أيوه… وكنت بطلب منه يكلمه.”
“لكنه كان يقول: يمكن حياته مستقرة… وأنا مليش حق أقلبها.”
رجعت للرسالة.
“يمكن أنا جبان.”
“ويمكن كنت بحترم الوعد أكتر من اللازم.”
“لكن الحقيقة…
أنا خفت.”
لأول مرة أحس إني بفهمه.
كان راجل طول عمره يخاف يجرح حد.
حتى لو ده هيكسره هو.
لكن آخر سطر في الصفحة خلاني أتجمد.
“بعد وفاتي…
لو لقيتي في نفسك القدرة…
روحي الخزانة الخشبية القديمة في مكتبي.”
“في الدرج السري هتلاقي ملف أزرق.”
“الملف ده فيه اسمه بالكامل… وعنوانه الحالي.”
“أنا سيبته… لأن القرار لازم يكون قرارك إنتِ.”
رفعت عيني عن الورقة.
قلبي كان بيدق بعنف.
قلت لنادية:
“هو كان يعرف مكانه؟”
ابتسمت بحزن.
“من خمس سنين.”
“بس عمره ما راح له.”
“كان يقول: لو ربنا كتب له يعرف الحقيقة… هيعرفها في الوقت المناسب.”
سكتنا إحنا الاتنين.
ولا واحدة فينا كانت قادرة تتكلم.
وأنا بدأت أفكر…
هل أحقق آخر أمنية لجوزي؟
ولا أسيب حياة الراجل ده مستقرة، زي ما كان جوزي بيحاول يعمل؟
لكن قبل ما أمشي…
فتحت نادية درجًا صغيرًا في الترابيزة.
وأخرجت صندوقًا خشبيًا قديمًا.
وقالت وهي بتقدمه لي:
“في حاجة نسي يكتبها في الرسالة.”
“الصندوق ده أمانة عندي من أكتر من ثلاثين سنة.”
“وقال مايتفتحش… إلا بعد وفاته.”
أخدته بإيدي.
كان خفيفًا جدًا.
لكن لما فتحته…
لقيت داخله سيارة لعبة صغيرة مكسورة من الأمام… وصورة لطفل في الرابعة من عمره، وعلى ظهرها تاريخ حادث الأتوبيس.
وفي أسفل الصورة…
كان فيه اسم مكتوب بالقلم الرصاص، بالكاد ظاهر:
“يوسف…”
عرفت وقتها…
إن الرحلة الحقيقية لم تبدأ مع الرسالة.
بل ستبدأ عندما أبحث عن الطفل الذي صار اليوم رجلًا، ولا يعرف أن هناك وعدًا قطعه رجل غريب لأمه… وظل يحاول الوفاء به حتى آخر يوم في عمره.
الفصل الرابع: الملف الأزرق
رجعت البيت قبل المغرب.
أول مرة أدخل البيت بعد وفاة جوزي وأحس إن كل حاجة فيه بقت غريبة.
ريحة القهوة اللي كان بيحبها لسه موجودة.
نظارته فوق المكتب.
وساعته جنب الكمبيوتر.
كأنه خرج يتمشى شوية وهيرجع.
لكن الحقيقة كانت أقسى من أي إحساس.
افتكرت كلامه في الرسالة.
“الملف الأزرق… في الدرج السري.”
دخلت مكتبه.
الغرفة دي كانت مملكته الخاصة.
كان دايمًا يقول وهو بيضحك:
“دي منطقة ممنوع الاقتراب منها.”
لكن مش لأنه بيخبي حاجة…
كان بيحب النظام بس.
بدأت أفتش في المكتب.
فتحت كل الأدراج.
مفيش ملف.
فضلت ألف حوالي ساعة.
لحد ما افتكرت إنه مرة كان بيصلح الدرج بنفسه.
مسكت الكشاف.
وبصيت من تحت.
ولقيت قطعة خشب صغيرة مختلفة عن باقي المكتب.
ضغطت عليها.
فجأة…
سمعت صوت “تك”.
وطلع درج صغير جدًا.
اتسعت عيني.
أول مرة أعرف إن المكتب فيه درج سري.
كان جواه ملف أزرق بالفعل.
ومظروف بني.
ومفتاح صغير.
أخدت نفسًا عميقًا.
وفتحت الملف.
أول صفحة كانت مكتوب عليها بخط جوزي:
“لو وصلتي هنا… يبقى سامحتيني أو على الأقل حاولتي تفهميني.”
ابتسمت وسط دموعي.
وكملت.
كان الملف مليان قصاصات جرائد قديمة عن حادث الأتوبيس.
تقارير.
صور.
وخطابات.
وفي آخر الملف…
استمارة تبني.
لكن كل البيانات الشخصية متغطية بحبر أسود.
ما عدا سطر واحد.
الاسم بعد التبني:
يوسف سامر الحسيني.
وفي الصفحة اللي بعدها…
عنوان.
ورقم هاتف.
وصورة حديثة لرجل في أواخر الثلاثينات.
واقف قدام مستشفى.
لابس بالطو أبيض.
ابتسمت بحزن.
“إذن بقيت دكتور فعلًا.”
لكن الملف مكانش خلص.
كان فيه جواب تاني.
مكتوب عليه:
“لا تفتحيه إلا لو قررتي تقابليه.”
حطيته على جنب.
لأني كنت لسه مش عارفة أعمل إيه.
وفجأة…
وقعت ورقة صغيرة من بين الملفات.
كانت إيصال تحويل بنكي.
بتواريخ مختلفة.
كل سنة.
بنفس اليوم.
وبنفس القيمة تقريبًا.
لكن الغريب…
إن التحويلات كانت رايحة لجمعية رعاية الأيتام.
وفي خانة الملاحظات كان بيكتب كل مرة نفس الجملة:
“عن طفل وعدت أمه إني ما أسيبوش.”
قعدت على الكرسي وانهرت في البكاء.
أربع وتلاتين سنة معاه…
وهو شايل الوجع ده لوحده.
ولا مرة اشتكى.
ولا مرة لمح حتى.
في اللحظة دي…
رن تليفوني.
كان رقم غريب.
رديت.
جالي صوت راجل هادي.
“حضرتك… مدام زوجة الأستاذ محمود؟”
قلبي دق.
“أيوه.”
قال:
“أنا المحامي اللي كان بيتابع وصيته.”
استغربت.
“وصيته؟”
قال:
“أيوه.”
“وفي حاجة لازم أوصلها لحضرتك.”
قلت:
“إيه هي؟”
سكت ثواني.
وبعدين قال:
“جوز حضرتك ما اكتفاش بالرسائل.”
“قبل وفاته بأسبوع…”
“كتب وصية قانونية.”
“وفيها طلب واحد فقط.”
بلعت ريقي.
“إيه هو؟”
رد بهدوء:
“إذا وافقتِ بإرادتك… أسلّم الملف الأزرق للدكتور يوسف بنفسي.”
وسكت لحظة…
ثم أضاف الجملة التي جعلتني أشعر أن القصة تخفي سرًا أكبر:
“لكن فيه شرط كتبه بخط إيده…”
“مايتسلمش الملف… إلا بعد ما حضرتك تعرفي الحقيقة اللي ما كتبهاش في أي رسالة.”
يتبع…
الفصل الخامس: الحقيقة التي لم يكتبها
فضلت ساكتة بعد ما قفلت المكالمة.
حسيت إن كل ما أعرف حاجة…
تطلع وراها حقيقة أكبر.
لبست هدومي تاني، وروحت مكتب المحامي تاني يوم الصبح.
كان راجل في أواخر الستينات، ملامحه هادية، ولما شافني وقف احترامًا.
قال:
“البقاء لله.”
شكرته، وقعدت قدامه.
حط قدامي ملف أسود صغير.
وقال:
“الأستاذ محمود جه بنفسه من أسبوع.”
“وكان تعبان جدًا.”
“لكن أصر يخلص كل الإجراءات.”
قلت بسرعة:
“إيه الحقيقة اللي كان يقصدها؟”
المحامي اتنهد.
وقال:
“رفض يقولها لي.”
“قال إنها لازم تطلع من شخص واحد بس.”
استغربت.
“مين؟”
رد:
“الضابط المتقاعد سامح العشري.”
ناولني كارت صغير.
عليه اسم الضابط وعنوانه.
وقال:
“ده الشخص الوحيد اللي قال الأستاذ محمود إنه يعرف الحقيقة كاملة.”
خرجت وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني.
العنوان كان في مدينة صغيرة على بعد ساعة.
وصلت البيت القديم بعد الضهر.
خبطت الباب.
فتح راجل كبير، شعره كله أبيض.
بص لي ثواني.
وقال من غير ما أعرف نفسي:
“إنتِ مرات محمود.”
اتجمدت.
“حضرتك تعرفني؟”
ابتسم بحزن.
“كنت مستني اليوم ده من سنين.”
دخلت.
البيت مليان أوسمة وصور قديمة بزي الشرطة.
قعدنا.
ومن غير مقدمات قال:
“محمود كان بطل.”
ابتسمت.
“أنا عارفة.”
هز رأسه.
“لا…”
“إنتِ تعرفي جزء صغير.”
وبعدين قام.
فتح دولاب قديم.
وطلع ملف أصفر.
حطه قدامي.
وقال:
“الحقيقة بدأت يوم حادث الأتوبيس.”
فتحت الملف.
كان فيه محضر رسمي.
وصور للحادث.
وأقوال الشهود.
لكن أول سطر شد انتباهي.
“تم العثور على طفلين… وليس طفلًا واحدًا.”
شهقت.
بصيت للضابط.
“طفلين؟”
قال بهدوء:
“أيوه.”
قلبي بدأ يدق بعنف.
“فين الطفل التاني؟”
رد وهو مطأطئ رأسه:
“هو ده السر.”
فتح صفحة تانية.
وقال:
“الأم اللي توفت كان معاها ولدين توأم.”
“يوسف…”
“وأخوه عمر.”
اتسعت عيني.
“لكن الرسائل كلها كانت عن يوسف.”
قال:
“لأن عمر…”
وسكت.
قلت بعصبية:
“كمّل.”
قال بصوت منخفض:
“عمر اختفى من مكان الحادث.”
“قبل ما الشرطة تعمل حصر للمصابين.”
سكتت الغرفة كلها.
حتى صوت الساعة اختفى.
قلت:
“اختفى يعني إيه؟”
رد:
“في البداية افتكرنا حد من الأهالي أخده.”
“لكن بعد التحقيق…”
“اتضح إن مفيش حد استلمه.”
بلعت ريقي.
“يعني اتخطف؟”
هز رأسه ببطء.
“ده كان الاحتمال الأقرب.”
حسيت بقشعريرة في جسمي.
“ومحمود؟”
تنهد الضابط طويلًا.
“محمود فضل يلوم نفسه طول عمره.”
“لأنه هو آخر واحد شاف الطفلين مع بعض.”
دموعي نزلت.
“يعني كان فاكر إنه السبب؟”
قال:
“كان مقتنع بده.”
“وكان يقول لو كنت مسكت إيد الاتنين بدل واحد…”
“ماكانش عمر اختفى.”
سكت شوية.
وبعدين فتح آخر صفحة في الملف.
وقال:
“لكن دي مش الحقيقة اللي وجعت محمود.”
قلت:
“أمال إيه؟”
مد لي صورة قديمة جدًا.
فيها محمود وهو شايل يوسف.
وفي الخلفية…
كان فيه راجل واقف بعيد، باصص عليهم.
وعلى ظهر الصورة بخط قديم مكتوب:
“الرجل المجهول… لم يتقدم للإدلاء بأقواله، رغم أنه ظهر في أكثر من صورة من موقع الحادث.”
رفع الضابط عينيه نحوي وقال:
“بعد ثلاثين سنة…”
“محمود اكتشف بالصدفة هوية الراجل ده.”
سألته وأنا أنفاسي متقطعة:
“مين كان؟”
أغمض الضابط عينيه للحظة، ثم قال:
“لما عرف الحقيقة… بكى لأول مرة قدامي.”
“وقال لي: لو زوجتي عرفت، هتعرف إن أكبر ذنب شيلته عمري كله… ماكانش الذنب اللي كنت فاكره.”
ثم سكت.
ولم ينطق بالاسم.
يتبع