جدو اسما السيد
جدي عنده 76 سنة، كان بيفصل بطاطين أطفال ويبيعها في سوق الجمعة علشان يوفر فلوس علاجي… لكن في يوم وقف قدامنا راجل ضخم راكب موتوسيكل وقال: “أنا بدور عليك من عشرين سنة… وعرفت الحقيقة كلها.”
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
أنا اسمي آدم، وعندي 15 سنة.
اتربيت مع جدي الحاج عبد الرحيم.
عمري ما عرفت أمي ولا أبويا.
أمي ماتت وهي بتولدني…
وأبويا اختفى بعدها، ومحدش شافه تاني.
وجدي هو اللي رباني.
كان بالنسبة لي الأب والأم والسند.
لكن من سنة…
حياتي اتقلبت.
كنت راجع من المدرسة مع صاحبي.
وفجأة عربية نقل فقدت السيطرة، وخبطتنا بقوة.
العربية اتقلبت أكتر من مرة.
ربنا كتب لنا عمر جديد.
لكن أنا…
خرجت من الحادث على كرسي متحرك.
الدكاترة قالوا إن فيه أمل بسيط إني أمشي تاني.
بس لازم علاج طبيعي طويل.
وعمليات.
وتكاليف بالمئات.
إحنا ماكنّاش نملك منها حاجة.
التأمين رفض يدفع أغلب المصاريف.
افتكرت جدي هيستسلم.
لكنه مسك إيدي وقال:
“طول ما أنا عايش… هتمشي على رجليك يا بُني.”
ومن اليوم ده…
رجل عنده 76 سنة بدأ يشتغل شغلين.
الصبح في محل بقالة.
وبالليل يقعد يخيط بطاطين أطفال بإيده.
كل بطانية كان يقعد فيها ساعات.
ويوم الجمعة…
ننزل سوق الجمعة نبيعهم.
كنت كل مرة أحس بالذنب.
أقوله:
“يا جدو كفاية.”
فيضحك.
ويحضني.
ويقول:
“أنت أغلى من الدنيا كلها.”
وفي يوم سبت…
كنا قاعدين في السوق.
وفجأة…
وقف قدامنا راجل ضخم.
في أوائل الأربعينات.
لابس جاكيت جلد.
ودراعاته كلها وشوم.
وركن موتوسيكله جنب السوق.
فضل يتفرج على البطاطين.
وجدي ابتسم وقال:
“اتفضل يا ابني… شوف اللي يعجبك.”
لكن الراجل ما ردش.
كان باصص لجدي بطريقة غريبة.
وبعدين طلع ظرف أصفر من جيبه.
ومده لجدي.
وقال بصوت جامد:
“أخيرًا لقيتك.”
“أنا بدور عليك من عشرين سنة.”
قلبي وقع.
بصيت لجدي.
لقيت إيده بدأت ترتعش.
الراجل كمل:
“أنا عرفت اللي عملته زمان.”
“ومش هتقدر تضحك على حد تاني.”
جدي أخد الظرف.
فتحه بإيد مرتعشة.
أول ما شاف اللي جواه…
وشه بقى أبيض.
وبص للراجل وهو مصدوم.
وقال:
“مستحيل…”
“إنت؟!”
“إزاي لسه عايش؟!”
الراجل قرب خطوة.
وقال:
“أنا ما متش.”
“لكن حياتي كلها اتدمرت بسببك.”
الناس في السوق بدأت تتجمع حوالينا.
وأنا مش فاهم أي حاجة.
جدي كان بيترعش.
وفجأة…
وقع على ركبته.
وقال بصوت مكسور:
“سامحني…”
“كنت فاكر إني بدفنت السر مع الزمن.”
الراجل طلع صورة قديمة من الظرف.
ورماها قدامي.
مسكتها.
وكانت الصدمة…
الصورة كانت لجدي وهو شايل طفل رضيع قدام مستشفى.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط قديم:
“عبد الرحيم… أوعى حد يعرف الحقيقة عن الطفل.”
رفعت عيني ناحية جدي.
وسألته وأنا جسمي كله بيرتعش:
“مين الطفل ده يا جدو؟”
بصلي والدموع في عينه.
وقال:
“الطفل ده…”
“…هو إنت.”
يتبع…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الفصل الثاني
السر اللي عاش عشرين سنة
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
بصيت للصورة…
وبعدين لجدي.
وقلت بصوت متقطع:
“يعني إيه… أنا؟”
الحاج عبد الرحيم قعد على الكرسي الخشب وهو بيحاول ياخد نفسه.
دموعه كانت بتنزل لأول مرة أشوفها بالشكل ده.
أما الراجل الضخم…
فكان واقف ساكت، كأنه مستني اللحظة دي من عمره كله.
جدي بصلي وقال:
“أنا آسف يا آدم…”
“كنت ناوي أحكيلك لما تكبر.”
صرخت فيه:
“تحكيلي إيه؟”
“مين الراجل ده؟”
“وإيه حكاية الصورة؟”
الراجل اتكلم لأول مرة بهدوء.
قال:
“اسمي سليم.”
“وأبوك… كان أعز صاحبي.”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
“أبويا؟!”
“أنت تعرف أبويا؟”
هز رأسه.
“أعرفه أكتر من أي حد.”
لفيت ناحية جدي.
“إنت قلتلي طول عمرك إن محدش يعرف هو راح فين.”
جدي غمض عينيه.
وقال:
“لأن دي الحقيقة اللي كنت أعرفها.”
سليم مد إيده بالظرف.
“كمل القراءة.”
فتحت الظرف.
كان فيه جواب قديم، وورقة من المستشفى، وصورة تانية.
الصورة فيها شاب بيضحك، شايل طفل صغير.
على ضهرها مكتوب:
“أول حضن لابني… ربنا يحفظه يا عبد الرحيم.”
بصيت للشاب.
كان شبهي بشكل يخوف.
نفس العينين.
ونفس الابتسامة.
همست:
“ده… أبويا؟”
سليم قال:
“اسمه محمود.”
“وكان مستعد يضحي بروحه علشانك.”
بصيت لجدي.
“يبقى ليه سابني؟”
جدي انفجر في العياط.
وقال:
“ما سابكش.”
“هو خرج من المستشفى علشان يجيب علاج لأمك.”
“وفي الطريق…”
“اختفى.”
“اختفى؟”
“أيوه.”
“دورنا عليه بالشهور.”
“بلغنا الشرطة.”
“قلبنا الدنيا.”
“لكن مفيش أثر.”
سليم هز رأسه بالنفي.
“لأ.”
“محمود ما اختفاش.”
كلنا بصينا له.
قال وهو بيطلع ملف صغير من الجاكيت:
“أنا كنت فاكر إنه مات.”
“لحد من شهر.”
“لما واحد كلمني من دار رعاية بعيدة.”
“وقال إن فيه راجل فاقد الذاكرة من عشرين سنة.”
قلبي كان بيدق بعنف.
“وبعدين؟”
سليم فتح الملف.
طلع تقرير طبي.
وصورة حديثة.
رجل شعره أبيض.
وشه مليان تجاعيد.
لكن ملامحه…
كانت هي نفس ملامح الشاب اللي في الصورة القديمة.
سليم قال بصوت متأثر:
“ده محمود.”
“أبوك.”
“عايش.”
الناس اللي كانت متجمعة في السوق شهقت.
أما أنا…
فحسيت إن الدنيا كلها وقفت.
بصيت لجدي.
لقيته بيبكي وهو بيقول:
“الحمد لله…”
“كنت فاكر إني هدخل قبري وأنا مش عارف مصيره.”
لكن سليم ما كانش خلص كلامه.
قال:
“في مشكلة.”
ابتلعنا ريقنا.
“إيه هي؟”
قال:
“أبوك فاكر اسمه.”
“وفاكر شغله.”
“لكن…”
“مش فاكر إن عنده ابن.”
الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة.
وكأن القدر رجعه…
لكن خد مني فرصة إنه يعرفني.
سليم قرب مني.
وحط إيده على كتفي.
وقال:
“الدكاترة قالوا إن الذاكرة ممكن ترجع.”
“بس…”
“فيه حاجة واحدة ممكن تساعد.”
“إيه هي؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“إنه يشوف أكتر شخص كان بيحبه…”
وبص مباشرة في عيني.
“…ابنه.”
الفصل الأخير
اللقاء الذي انتظره خمسة عشر عامًا
فضلت باصص لسليم.
وقلبي بيدق بسرعة.
قلت بصوت مخنوق:
“يعني… أبويا عايش؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
“بس لازم نتحرك بسرعة.”
جدي عبد الرحيم قام رغم سنه.
وكان بيحاول يخبي دموعه.
قال:
“هنسافر حالًا.”
…
تاني يوم الصبح…
كنا واقفين قدام دار رعاية صغيرة في مدينة بعيدة.
المكان كان بسيط جدًا.
استقبلتنا مديرة الدار بابتسامة.
وقالت:
“حضراتكم أقارب الأستاذ محمود؟”
سليم رد:
“إحنا أهله.”
تنهدت الست.
وقالت:
“من عشرين سنة تقريبًا لقوه مصاب في حادث على طريق صحراوي.”
“ماكانش معاه أي أوراق.”
“وكان فاقد الذاكرة بالكامل.”
“كل اللي كان فاكره اسمه الأول.”
“ومن يومها وهو عايش هنا.”
جسمي كله كان بيرتعش.
قلت:
“ممكن أشوفه؟”
ابتسمت.
“اتفضل.”
…
دخلنا الجنينة.
كان فيه راجل كبير قاعد بيسقي زرع.
شعره كله أبيض.
لكن أول ما رفع وشه…
حسيت إني ببص في المراية بعد تلاتين سنة.
نفس العينين.
نفس الملامح.
الراجل ابتسم.
وقال:
“أهلاً.”
بص لسليم.
“إزيك يا صاحبي.”
حضنه سليم وهو بيعيط.
أما أنا…
فضلت واقف.
مش قادر أتحرك.
الراجل بصلي.
وقال:
“إنت ابن مين يا بطل؟”
السؤال كسرني.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قربت منه.
وقلت:
“أنا…”
“أنا ابنك.”
فضل ساكت.
باصص في وشي.
ثانية…
واتنين…
وتلاتة.
وفجأة…
إيده بدأت ترتعش.
بص في عيني.
وقال بصوت ضعيف:
“آدم؟”
شهقت.
“إنت عرفت اسمي؟”
حط إيده على راسه.
وقام يصرخ من الوجع.
صور كتير بدأت ترجع له.
المستشفى.
زوجته.
الولادة.
بكاء طفل.
ثم الحادث.
وقع على الأرض.
الدكاترة جريوا عليه.
بعد دقائق…
فتح عينيه.
وبصلي.
الدموع كانت مالية وشه.
وقال:
“سامحني يا ابني.”
حضنته بكل قوتي.
وقلت:
“أنا عمري ما زعلت منك.”
“أنا كنت زعلان من الدنيا.”
وجدي عبد الرحيم كان واقف بعيد.
بيبكي.
أبويا قام ومشى ناحيته.
وحضنه.
وقال:
“سامحني.”
جدي هز رأسه.
“أنا اللي بطلب منك السماح.”
“كنت فاكر إنك مت.”
“وربيت آدم على قد ما قدرت.”
أبويا مسك إيده.
وقال:
“إنت مش ربيته.”
“إنت أنقذت حياته.”
…
بعد أسابيع…
أبويا بدأ جلسات علاج وتأهيل للذاكرة.
وكان كل يوم بيفتكر حاجة جديدة.
رجعت له صور أمي.
وفرحهم.
وبيتنا القديم.
ورجع يفتكر كل حاجة…
إلا لحظة الحادث.
قال الدكتور إن دي آخر حاجة ممكن ترجع.
…
في نفس الوقت…
قصة جدي انتشرت على مواقع التواصل.
الناس اتأثرت بالرجل اللي عنده 76 سنة، وكان بيخيط بطاطين أطفال علشان يعالج حفيده.
الجمعيات الخيرية تواصلت معانا.
وأحد المستشفيات الكبيرة عرض يتكفل بعلاجي كاملًا.
بدأت جلسات العلاج الطبيعي.
كانت مؤلمة جدًا.
كنت بقع كل يوم.
لكن كل مرة ألاقي جدي واقف يقول:
“قوم يا بطل.”
“إنت وعدتني.”
وبعد ثمانية شهور…
الدكتور وقف قدامي.
وقال:
“جرب.”
سندت على المشاية.
وخدت أول خطوة.
رجلي كانت بترتعش.
لكنها شالتني.
الخطوة الأولى…
بقت اتنين.
واتنين بقوا تلاتة.
لقيت جدي بيعيط.
وأبويا بيضحك لأول مرة من سنين.
جريت عليهم على قد ما قدرت.
وحضنتهم.
الدكتور ابتسم وقال:
“المعجزة دي…”
“اسمها الأمل.”
…
بعد سنة كاملة…
افتتحنا ورشة صغيرة.
سميناها:
“بطاطين الرحمة.”
كل بطانية كانت بتتباع…
كان جزء من ثمنها يروح لعلاج طفل محتاج.
وجدي رفض يبطل خياطة.
كنت أقوله:
“ارتاح بقى.”
فيضحك.
ويقول:
“دلوقتي بخيط وأنا مرتاح.”
“زمان كنت بخيط علشان أنقذك.”
“النهارده بخيط علشان ننقذ غيرك.”
وفي أول لوحة اتعلقت على باب الورشة، كتبنا عبارة واحدة:
“الخير اللي بتزرعه بإيدك… بيرجعلك يوم، حتى لو بعد عشرين سنة.”
تمت.
ونو9