دهب حكايات اسما السيد ×4
الفصل السابع
الزائر المجهول
أول ما قالت دهب:
— هو هيجي يدور عليا…
الرائد حسام مد إيده بسرعة.
وقال للعساكر:
— اقفلوا كل مداخل ومخارج المبنى.
واتأكدوا من هويات أي حد يدخل أو يخرج.
في أقل من دقيقة…
المكان كله اتقلب.
أفراد الأمن انتشروا.
وأبواب المستشفى اتقفلت.
وأنا كنت ببص لدهب.
ملامحها اتغيرت.
كانت بتبص ناحية الباب.
كأنها مستنية حد يدخل في أي لحظة.
أمي حضنتها.
وقالت:
— محدش هيقدر يوصلك يا بنتي.
دهب هزت رأسها.
وقالت بصوت واطي:
— هو عمره ما بيدخل من الباب.
الرائد حسام سمعها.
وقال:
— قصدك إيه؟
قالت:
— كل مرة كان يظهر فجأة…
ويختفي فجأة.
ولا مرة شفته يعدي من قدام الحراس.
قبل ما حد يرد…
العسكري رجع يجري تاني.
وقال:
— يا فندم… في مشكلة.
الرائد قال بحدة:
— إيه كمان؟
العسكري قال:
— كاميرات المراقبة.
قال:
— مالها؟
رد:
— فصلت كلها…
في نفس اللحظة.
الصمت خيم على المكان.
الرائد طلع جهاز اللاسلكي.
وقال:
— كل القوة تتجمع عند جناح الحماية.
حدش يتحرك لوحده.
وأثناء الكلام…
نور الأوضة طفّى.
ثانية…
واتنين…
وتلاتة.
وبعدين اشتغل تاني.
لكن لما النور رجع…
كلنا شهقنا.
لأن الكرسي اللي كانت قاعدة عليه دهب…
كان فاضي.
أمي صرخت:
— دهب!
جريت أنا ناحية الحمام.
فتحته.
فاضي.
الرائد والعساكر قلبوا الأوضة.
ولا أثر ليها.
لكن على الكرسي…
كان فيه ظرف أبيض.
الرائد لبس جوانتي.
وفتح الظرف.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب عليها بخط أسود:
“لسه ما اتعلمتوش…
أنا باخدها من وسط الناس…
ومحدش بيقدر يمنعني.”
أمي انهارت.
وقالت وهي بتعيط:
— لا… مش تاني.
الرائد بص حواليه.
وقال:
— فتشوا المستشفى كلها.
وأثناء التفتيش…
جالهم بلاغ.
في كاميرا خارجية واحدة…
اشتغلت قبل ما الكهربا تقطع بثانيتين.
جابوا التسجيل.
وشغلناه.
ظهر ممر المستشفى.
ودهب داخلة الأوضة.
وبعدين…
بعد دقيقة.
ظهر شخص لابس بالطو أبيض.
وشه متغطي بكمامة.
وقف قدام الباب.
وبعدين رفع إيده للشاشة.
كان فعلًا…
ناقص صباع.
الرائد قال:
— كبّر الصورة.
كبروا الإيد.
وفجأة…
أنا اتجمدت.
قلت:
— مستحيل…
الرائد بص لي.
وقال:
— تعرفيه؟
قلت وأنا برتعش:
— الساعة…
الساعة اللي في إيده.
دي مش غريبة.
دي نفس الساعة…
اللي كنت شايفاها كل يوم.
أمي بصت لي بخضة.
وقالت:
— ساعة مين؟
بلعت ريقي.
وقلت:
— ساعة دكتور العيلة…
الدكتور سامح.
الدكتور اللي كان بيعالجنا كلنا من وإحنا صغيرين.
اللي كان بيزور أمي لما تتعب.
واللي حضر عزا دهب.
واللي كان كل سنة…
يقرأ الفاتحة على روحها معانا.
الرائد حسام سكت ثواني.
وبعدين قال:
— هاتوا ملف الدكتور سامح بالكامل.
لكن قبل ما حد يتحرك…
رن تليفوني.
رقم مجهول.
رديت.
ماسمعتش غير نفس هادي.
وبعدين صوت راجل قال:
— لو عايزة تشوفي أختك حية…
تعالي لوحدك.
وقفلت المكالمة.
بعد ثواني…
وصلت رسالة على الموبايل.
كانت صورة.
صورتها وهي قاعدة على كرسي.
ومربوطة.
والتوقيت…
كان من أقل من دقيقة.
يعني…
اللي خاطفها…
كان قريب جدًا من المستشفى.
ورسالته تحت الصورة كانت أقصر من أي تهديد:
“المرة دي… الدور عليكي.”
الفصل الثامن
الموعد
إيدي كانت بتترعش.
بصيت للرسالة مرة…
واتنين…
وعشرة.
الصورة كانت واضحة.
دهب مربوطة على كرسي.
وراها حيطة خرسانية.
وفي زاوية الصورة…
ظهر جزء من لافتة معدنية مكتوب عليها:
“مخزن 12”
الرائد حسام خطف الموبايل من إيدي.
وكبّر الصورة.
وقال:
— استنوا…
في حاجة.
قرب أكتر.
كان فيه انعكاس خفيف في زجاج قدام دهب.
انعكاس لشخص واقف بيصورها.
وشه ماكانش ظاهر.
لكن كان لابس جاكيت جلد أسود.
وفي إيده…
نفس الساعة.
الرائد قال:
— دي الصورة متصورة من دقائق.
يعني الخاطف لسه قريب.
في نفس اللحظة…
وصلت رسالة تانية.
“لو بلغتوا الشرطة… هتموت قبل ما توصلوا.”
الرائد ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:
— هو فاكر إنه أذكى مننا.
قلت بعصبية:
— يعني هنسيبها؟
قال:
— لا.
هنخليه يفتكر إننا سيبناها.
وبدأ يحط خطة بسرعة.
طلب من الجميع يخرجوا من الأوضة.
ما عدا أنا.
وقال بصوت منخفض:
— هتردي عليه.
قلت بخوف:
— أقول إيه؟
قال:
— وافقي.
وقولي إنك جاية لوحدك.
لكن الموبايل هيكون معانا.
رديت على الرقم.
بعد ثواني…
سمعت نفس الصوت.
قال:
— كويس إنك سمعتي الكلام.
قلت وأنا بحاول أخبي خوفي:
— هاجي.
بس أختي تكون كويسة.
ضحك.
ضحكة باردة.
وقال:
— هتشوفيها بنفسك.
ابعتي لوكيشنك أول ما تتحركي.
وقفل الخط.
الرائد بص للضابط اللي معاه.
وقال:
— تتبعوا الإشارة.
الضابط هز رأسه.
لكن بعد لحظات…
رجع وقال:
— الرقم معمول له تحويل.
مفيش مكان ثابت.
الرائد ضرب بإيده على المكتب.
وقال:
— محترف.
وأثناء ما إحنا بنتكلم…
دخل عسكري يجري.
وقال:
— يا فندم…
في عامل نظافة لقى حاجة في جراج المستشفى.
نزلنا كلنا.
كان فيه عربية قديمة مركونة.
وعلى الكبوت…
علبة هدايا صغيرة.
فتحها خبير المفرقعات الأول.
ولما اتأكد إنها آمنة…
فتحناها.
جواها…
سلسلة فضة.
أمي أول ما شافتها…
صرخت.
وقالت:
— دي سلسلة هاجر.
الرائد بص لها باستغراب.
— تعرفيها؟
قالت وهي بتبكي:
— هاجر كانت بتيجي عندنا البيت.
كانت صاحبة دهب.
والسلسلة دي…
أنا اللي اشتريتهالها في عيد ميلادها.
تجمدنا كلنا.
يعني…
هاجر ما كانتش مجرد شاهدة.
كانت قريبة من عيلتنا.
وفي قاع العلبة…
كانت فيه ورقة مطوية.
فتحتها.
كان مكتوب بخط واضح:
“بدأتوا تدوروا في المكان الغلط.”
وتحت الجملة…
عنوان واحد فقط.
“مصنع الغزل القديم… بوابة رقم 3.”
الرائد رفع رأسه.
وقال:
— جهزوا القوة.
الليلة دي…
يا هننقذ دهب…
يا هنعرف الحقيقة اللي مستخبية من سبع سنين.
لكن ولا واحد فينا كان يعرف…
إن الشخص اللي مستنينا داخل المصنع…
ماكانش الخاطف.
كان شخص…
مفروض يكون ميت من سبع سنين.
الفصل التاسع
العائد من الموت
تحركت سيارات الشرطة بسرعة.
وأنا وأمي كنا في العربية مع الرائد حسام.
ولا واحدة فينا نطقت بكلمة.
كل واحدة كانت غارقة في خوفها.
بعد حوالي نصف ساعة…
وصلنا قدام مصنع الغزل القديم.
المكان كان مهجور.
شبابيك مكسورة.
وأبواب حديد صداها ماليها.
الرائد رفع إيده.
وقال:
— محدش يدخل قبل ما المكان يتفتش.
انتشر أفراد الشرطة.
وبدأوا يفتشوا كل ركن.
وفجأة…
سمعنا صوت خبط.
زي حد بيحاول يفتح باب من جوه.
جري العساكر ناحية الصوت.
ولقوا باب حديد كبير مقفول بسلسلة.
كسروها.
ودخلوا.
بعد ثواني…
سمعنا صوت ضابط بيصرخ:
— يا فندم… تعالى بسرعة!
جرينا كلنا.
دخلنا المخزن.
كان فاضي.
إلا من كرسي في النص.
وعليه حبل مقطوع.
الرائد قرب.
ولمس الحبل.
وقال:
— لسه متفك من دقائق.
يعني دهب كانت هنا.
على الأرض…
كان فيه آثار سحب.
كأن حد كان بيجري شخص مربوط.
وفجأة…
واحد من العساكر نادى:
— فيه حد فوق!
رفعنا رأسنا.
لقينا راجل واقف على السلم الحديد.
لابس هدوم قديمة.
وشعره أبيض.
أول ما شاف الشرطة…
رفع إيده.
وقال:
— متضربوش نار…
أنا جاي بنفسي.
نزل ببطء.
ولما قرب…
أمي شهقت.
وقالت:
— مستحيل…
أنا بصيت فيه.
وحاولت أفتكر.
وفجأة…
افتكرت الصورة القديمة.
الصورة اللي كانت في أوضة دهب.
قلت وأنا برتعش:
— ده…
عم هاجر.
الراجل هز رأسه.
وقال:
— اسمي عبدالسلام.
وأنا مش هارب.
أنا مستنيكم من سبع سنين.
الرائد سأله:
— فين دهب؟
قال:
— اتأخرتوا.
خدوها من هنا من ربع ساعة.
الرائد شده من هدومه.
وقال:
— مين؟
عبدالسلام بص حواليه.
وبعدين قال:
— الراجل اللي ناقص صباعه.
قلت بسرعة:
— تعرفه؟
قال:
— أعرفه من عشرين سنة.
لكن اسمه الحقيقي…
مش الدكتور سامح.
كلنا سكتنا.
عبدالسلام كمل:
— اسمه الحقيقي…
كمال عزت.
وكان شغال زمان مع عصابة بتزوّر الهويات والسجلات.
ولما العصابة اتفكت…
اختفى.
وظهر بعد سنين…
باسم دكتور سامح.
الرائد قال:
— وإنت ساكت كل السنين دي ليه؟
عبدالسلام نزل رأسه.
وقال:
— لأن بنتي هاجر كانت عنده.
قلت:
— يعني هاجر كانت عايشة؟
بدأ يبكي.
وقال:
— أيوه…
عاشت بعد الحريق.
لكن اتحبست مع دهب.
وأنا كنت فاكر إنها ماتت.
لحد ما وصلتني منها رسالة من أربع سنين.
أمي شهقت.
وقالت:
— رسالة؟
طلع من جيبه ورقة قديمة.
كانت مهترئة.
ومصفرة من الزمن.
وقال:
— كانت مكتوب فيها…
“يا بابا… لو الرسالة وصلت لك… اعرف إننا لسه عايشين. متبلغش حد. لأن اللي ماسكنا… عنده ناس في كل مكان.”
الرائد أخذ الرسالة.
وبدأ يقرأها.
وفجأة…
وقف عند سطر.
وبص لعبدالسلام.
وقال:
— ليه مخبيتش الورقة دي مع الأدلة؟
عبدالسلام قال:
— لأن كان فيها اسم.
قلت:
— اسم مين؟
قال بصوت مكسور:
— اسم ضابط شرطة.
ساد الصمت.
الرائد حسام اتجمد مكانه.
وقال:
— مين الضابط؟
عبدالسلام رفع الورقة.
وأشار إلى الاسم.
لكن قبل ما ينطقه…
دوّى صوت طلقة نار.
الورقة طارت من إيده.
ووقع عبدالسلام على الأرض.
والرصاصة…
كانت جاية من فوق سطح المصنع.
رفعنا رأسنا.
وشفنا شخص لابس أسود.
واقف فوق السطح.
وفي إيده بندقية مزودة بكاتم صوت.
ولما لف علشان يهرب…
لمعت الساعة في معصمه.
نفس الساعة.
اللي ظهرت في كاميرات المستشفى.
الرائد صرخ:
— امسكوه!
لكن قبل ما يجري أي حد…
الشخص وقف لحظة.
وبص ناحيتنا.
وشال الكمامة عن وشه.
وأول ما شفت ملامحه…
عرفته.
كان فعلًا الدكتور سامح…
لكن اللي صدمني أكتر…
إن الرائد حسام همس باسمه وقال:
— مستحيل…
إنت كنت شريكي في أول قضية اشتغلتها من خمسة عشر سنة!
يتبع