عالطاير حكايات اسما ×3
الجزء الخامس
المكتب كله سكت.
الأنفاس اتقطعت.
الظابط مسك الورقة بإيده.
وقراها أكتر من مرة.
الجملة كانت قصيرة…
لكن معناها مرعب.
“دي آخر واحدة… والباقي لسه مستخبي.”
يعني فيه أطفال تانيين.
مش طفل واحد.
ولا اتنين.
شبكة كاملة.
سارة حطت إيديها على وشها.
وقالت وهي بتنهار:
— يعني ابني ممكن يكون عايش فعلًا؟
نادية دموعها نزلت.
وقالت:
— كنت عارفة… كنت عارفة إنهم ماوقفوش عند حالة واحدة.
أما أنا…
فكنت حضنة آدم.
كل كلمة بسمعها…
بتخليني أخاف أكتر.
الظابط بص للعسكري.
وقال:
— الطفلة فين دلوقتي؟
— في مستشفى المطار يا فندم.
— مين اللي لقاها؟
— عامل النظافة.
قال إنه سمع عياطها.
ولما خرج…
لقاها قدام البوابة ملفوفة في بطانية بيضا.
الظابط سأل:
— والكاميرات؟
العسكري رد:
— لسه بنراجعها.
—
في نفس اللحظة…
دخل خبير الأدلة الجنائية.
كان شايل تقريرين.
حطهم قدام الظابط.
وقال:
— عندي خبرين.
الظابط قال:
— ابدأ.
— أولًا…
البصمات اللي على الفلاشة.
مش بصمات الدكتور حسام.
الدكتور ابتسم لأول مرة.
وقال:
— قلتلكم.
لكن الخبير كمل:
— لكنها بصمات شخص اشتغل في المستشفى.
واستقال من سنتين.
اسمه…
حاتم الشناوي.
أول ما الاسم اتقال…
وش نادية اتغير.
شهقت.
وقالت:
— حاتم!
الظابط لاحظ.
وقال:
— تعرفيه؟
هزت رأسها ببطء.
— ده كان مسؤول الحضانة.
والراجل الوحيد…
اللي كان عنده مفاتيح كل الأقسام.
—
الخبير فتح التقرير التاني.
وقال:
— أما بالنسبة لتحليل الـDNA…
بصيت له.
حسيت قلبي بيطلع من صدري.
قال:
— النتيجة أكدت إن…
الأستاذة سارة…
ليست الأم البيولوجية للطفل آدم.
سارة شهقت.
وقعدت على الكرسي.
أنا دموعي نزلت من الفرحة.
حضنت آدم بقوة.
وبوسته عشرات المرات.
وقلت:
— الحمد لله…
الحمد لله.
لكن الخبير رفع إيده.
وقال:
— استنوا…
لسه التقرير ما خلصش.
الكل بص له.
قال:
— التحليل أكد كمان…
إن الطفل آدم…
هو الابن البيولوجي للأم الموجودة معاه.
يعني…
هو ابن حضرتك فعلًا.
ماقدرتش أتمالك نفسي.
فضلت أبكي.
وأضحك.
وأحضنه.
وأقول:
— كنت عارفة…
كنت حاسة.
سارة بصت لي.
رغم دموعها…
ابتسمت.
وقالت:
— الحمد لله…
على الأقل طفل واحد…
رجع لأمه.
لكن ابتسامتها اختفت بسرعة.
وقالت:
— طب وابني أنا؟
مين معاه؟
وفين؟
—
الظابط قال بهدوء:
— لسه ماعرفناش.
لكن واضح إن الشبكة كانت بتبدل أكتر من طفل.
لازم نراجع كل الولادات.
نادية قالت فجأة:
— استنوا.
أنا فاكرة حاجة.
الكل بص لها.
قالت:
— حاتم…
كان عنده دفتر أسود.
عمره ما كان بيفارقه.
كان بيكتب فيه كل حاجة.
أرقام.
مواعيد.
وأسماء.
الدكتور حسام اتوتر.
وقال بسرعة:
— أي كلام.
لكن نادية تجاهلته.
وقالت:
— مرة سألته…
إيه الدفتر ده؟
ضحك.
وقال:
“ده اللي هيخليني مليونير.”
—
الظابط خرج أوامر بسرعة.
— فتشوا بيت حاتم.
ومكتبه.
وأي مكان كان بيروحه.
بعد أقل من ساعة…
رن تليفونه.
رد.
وسكت.
وبعدين ابتسم لأول مرة.
قال:
— لقيناه.
نادية وقفت.
— الدفتر؟
— أيوه.
كان مستخبي…
جوه سقف معلق في شقة قديمة.
قلبي دق بسرعة.
الظابط طلب يجيبوه فورًا.
—
بعد ساعة ونصف…
وصل الدفتر.
كان قديم.
جلده أسود.
ومقفول بقفل صغير.
فتحوه.
أول صفحة…
كانت عبارة عن تواريخ.
بعدها أسماء أطفال.
وجنب كل اسم…
علامة.
✔
أو
✖
الظابط قلب الصفحات بسرعة.
وفجأة…
وقف.
قرأ اسمًا بصوت عالي.
— آدم.
نفسي وقف.
قال:
— آدم محمود…
مواليد…
نفس يوم ولادة ابنك.
بصيت للصفحة.
كان مكتوب جنب الاسم:
“سُلِّم لأمه.”
دموعي نزلت.
لكن الظابط قلب الصفحة اللي بعدها.
وقال:
— وفي نفس اليوم…
في طفل تاني.
اسمه…
يوسف.
وجنب اسمه…
مكتوب:
“نُقل.”
سارة صرخت.
— يوسف!
ده الاسم اللي كنت مختاراه لابني!
المكتب كله اتجمد.
الظابط بص لها.
وقال:
— متأكدة؟
هزت رأسها وهي بتعيط.
— والله.
أنا وجوزي اخترناه قبل الولادة.
الظابط قفل الدفتر.
وقال:
— يبقى واضح إن ابنك…
اسمه يوسف.
ولسه عايش.
لكن السؤال…
فين؟
وفجأة…
واحد من الضباط دخل المكتب وهو بيجري.
وقال:
— يا فندم…
لقينا عنوان في آخر الدفتر.
شكله بيت آمن كانوا بيستخدموه.
لكن…
في مشكلة.
الظابط قال:
— إيه هي؟
رد الضابط:
— القوة وصلت.
ولقت البيت فاضي.
لكن…
كان فيه صوت طفل بيعيط…
طالع من تحت الأرض.
الجزء السادس
أول ما الضابط قال:
— كان فيه صوت طفل بيعيط… طالع من تحت الأرض.
قلبي اتقبض.
سارة قامت من مكانها بعنف.
وقالت وهي بتصرخ:
— خدوني هناك!
ابني هناك… أنا متأكدة!
الظابط وقف قدامها.
وقال بحزم:
— ممنوع حد يتحرك.
المكان لسه بيتفتش.
ممكن يكون فيه خطر.
لكن سارة كانت خارجة عن سيطرتها.
فضلت تعيط وتقول:
— أربع سنين وأنا بدور عليه…
مش هقدر أستنى دقيقة كمان.
أما أنا…
فحضنت آدم أكتر.
رغم إن نتيجة التحليل أكدت إنه ابني…
إلا إن اللي كنا بنكتشفه كان أبشع من أي كابوس.
لو شبكة كاملة كانت بتتاجر في الأطفال…
يبقى كام أم عاشت نفس الوجع؟
—
بعد نصف ساعة…
وصلت القوة للمكان بالكامل.
كان بيت قديم…
في آخر شارع مهجور.
شبابيكه مكسورة.
وأبوابه كلها عليها تراب.
الجيران قالوا…
إن محدش كان بيشوف حد يدخل أو يخرج.
غير عربية سودا…
كانت بتيجي آخر الليل.
الضباط كسروا الباب.
فتشوا الدور الأول.
مافيش حاجة.
الدور التاني.
فاضي.
لكن صوت العياط…
كان لسه مستمر.
واحد من العساكر ركع على الأرض.
وقال:
— يا فندم…
الصوت جاي من تحت البلاط.
رفعوا سجادة قديمة.
لقوا باب حديد صغير.
مستخبي تحتها.
فتحوه.
ونزلوا سلم ضيق.
كل خطوة…
كانت بتكشف سر جديد.
—
تحت البيت…
كان فيه أوضة كبيرة.
فيها سرير أطفال.
وألعاب.
وزجاجات لبن.
لكن المكان…
كان فاضي.
ماعدا طفل صغير…
قاعد في سرير خشب.
أول ما شاف النور…
بدأ يعيط أكتر.
العسكري شاله بسرعة.
ولف حواليه.
مفيش حد.
لكن على الحيطة…
كان فيه عشرات الصور.
صور أطفال.
تحت كل صورة…
اسم.
وتاريخ ميلاد.
ورقم.
الضابط اتجمد.
وقال:
— صوروا كل حاجة.
فورًا.
وأثناء التصوير…
واحد من الضباط نادى.
— يا فندم…
تعالى شوف.
في ركن بعيد…
كان فيه دولاب حديد.
فتحوه.
ولقوا ملفات.
كل ملف…
باسم طفل.
وبجواره…
اسم الأسرة الأصلية.
واسم الأسرة اللي استلمته.
الضابط فتح أول ملف.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
وفجأة…
وقع ملف من إيده.
كان مكتوب عليه:
يوسف.
—
في المطار…
كنا مستنيين أي خبر.
كل دقيقة…
كانت بتعدي كأنها ساعة.
وفجأة…
دخل الظابط.
وشه كان متغير.
سارة جريت عليه.
وقالت:
— لقوه؟
سكت.
وبعدين قال:
— لقينا ملفه.
لكن…
ما لقيناهش هو.
سارة انهارت.
وقعت على الأرض.
وأنا جريت عليها.
حضنتها.
لأول مرة…
حسيت بألمها.
هي أم…
ضاعت منها سنين.
قالت وهي بتبكي:
— هو عايش؟
الظابط فتح الملف.
وقال:
— آخر تسجيل…
من سنتين.
بعدها…
كل البيانات متشالة.
كأن حد مسح أثره.
—
في نفس اللحظة…
الموبايل الموجود على مكتب التحقيق رن.
رقم مجهول.
الظابط فتح السماعة.
وجعل المكالمة على مكبر الصوت.
صوت راجل كبير…
هادئ بشكل مخيف.
قال:
— واضح إنكم قربتم مني.
الظابط قال بسرعة:
— مين إنت؟
ضحك.
وقال:
— الاسم مش مهم.
المهم…
إن الطفل اللي بتدوروا عليه…
لسه عايش.
سارة صرخت:
— يوسف!
قال الرجل:
— أيوه…
بس لو عايزين تشوفوه…
يبقى توقفوا التحقيق.
الظابط رد بغضب:
— مستحيل.
سكت الرجل ثواني.
ثم قال:
— يبقى استعدوا تخسروا آخر خيط.
وقبل ما يقفل…
قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي.
— وبالمناسبة…
أنا شايفكم دلوقتي.
الكل بص حواليه.
الظابط صرخ:
— اقفلوا كل المداخل!
فتشوا المبنى!
العساكر جريوا في كل اتجاه.
وأنا حضنت آدم بقوة.
لأن إحساسًا مرعبًا سيطر عليّ…
أن الشخص اللي بيتكلم…
كان أقرب إلينا مما نتخيل.
وبعد أقل من دقيقة…
انطفت أنوار المكتب بالكامل.
وغرق المكان في ظلام تام.
وسمعنا صوت طفل…
بيبكي…
من داخل الغرفة نفسها.
الجزء السابع
الضلمة نزلت فجأة…
لدرجة إن محدش شاف إيده.
صوت الطفل…
كان بيقرب.
وبعدين…
وقف.
حد من العساكر صرخ:
— محدش يتحرك!
ثانية…
واتنين…
وفجأة اشتغلت أنوار الطوارئ.
نور أحمر خافت…
ملى المكتب.
بصيت بسرعة على حضني.
آدم.
كان لسه بين إيديا.
ضمّيته بقوة…
وحسيت دموعي بتنزل من غير ما أحس.
لكن سارة…
كانت بتلف حواليها بجنون.
وقالت:
— في طفل هنا!
أنا سمعته!
الضابط رفع كشافه.
وبدأ يفتش الأوضة.
وراء المكتب.
تحت الترابيزة.
ورا الستارة.
لحد ما واحد من العساكر قال:
— يا فندم…
الصوت جاي من المخزن.
جروا كلهم.
فتحوا باب المخزن.
وكانت المفاجأة…
فيه عربية أطفال صغيرة.
وجواها…
رضيعة عمرها يمكن شهرين.
كانت ملفوفة في بطانية بيضا.
وبتعيط بحرقة.
الممرضة جريت عليها.
شالتها بسرعة.
وقالت:
— الحمد لله…
لسه بخير.
لكن اللي لفت نظر الضابط…
ماكانش الطفلة.
كان الظرف الأبيض…
المحطوط جنبها.
فتح الظرف.
ولقى ورقة واحدة.
مكتوب فيها:
“كل ما تقربوا من الحقيقة… هتلاقوا طفل جديد.”
وتحت الجملة…
رسم صغير.
نفس الحرف.
“ح”.
—
الضابط عض على شفايفه.
وقال:
— الراجل ده بيتحدانا.
واحد من رجال الأمن قال:
— إزاي دخل الطفلة هنا؟
الكاميرات كانت شغالة.
والمبنى مؤمَّن.
الضابط رد:
— يبقى حد ساعده من جوه.
الجملة وقعت زي القنبلة.
يعني…
في حد من العاملين…
بيشتغل مع الشبكة.
كل واحد بقى يبص للتاني.
الشك دخل القلوب.
—
في نفس الوقت…
كان فريق الأدلة بيفتش الملفات اللي اتلقّت في البيت القديم.
ملف وراء ملف.
اسم وراء اسم.
لحد ما الخبير وقف فجأة.
وقال:
— يا فندم…
تعالى.
الضابط قرب.
الخبير فتح صفحة.
وقال:
— بص هنا.
في آخر كل ملف…
كان فيه ختم.
الختم عليه اسم شركة.
مش مستشفى.
ولا جمعية.
اسمها:
“مؤسسة حياة الغد لرعاية الأطفال.”
الضابط استغرب.
— مؤسسة خيرية؟
الخبير هز راسه.
— شكلها كده.
لكن الغريب…
إن كل الأطفال اللي اتنقلوا…
كان اسم المؤسسة موجود في ملفاتهم.
—
الضابط أمر بالتحري فورًا.
بعد أقل من ساعة…
رجع تقرير سريع.
المؤسسة اتأسست من خمس سنين.
واتقفلت رسميًا من سنتين.
لكن…
عنوانها…
كان نفس عنوان فيلا فخمة…
على أطراف المدينة.
والمالك…
رجل أعمال معروف.
اسمه…
حازم السيوفي.
أول ما الاسم اتقال…
الدكتور حسام…
وشه اصفر.
الضابط لاحظ.
وقال:
— تعرفه؟
الدكتور اتردد.
وبعدين قال:
— مرة…
أو اتنين.
كان متبرع للمستشفى.
نادية صرخت:
— كداب!
كان بييجي كل أسبوع.
ويقعد بالساعات.
—
في اللحظة دي…
دخل ضابط تاني.
ومعاه ملف قديم.
قال:
— لقينا ده في أرشيف الضرائب.
الضابط فتح الملف.
وكانت الصدمة…
المؤسسة الخيرية…
كان من أعضاء مجلس إدارتها…
الدكتور حسام.
اتجمد.
وقال بسرعة:
— اسمي اتحط من غير علمي!
لكن التوقيع…
كان توقيعه.
—
أنا كنت قاعدة…
سامعة كل ده.
لكن عقلي كان في حتة تانية.
ببص لآدم.
وبفكر…
لو الشبكة قدرت تخطف أطفال كتير…
يبقى أنا كنت محظوظة.
محظوظة إن ابني فضل معايا.
لكن كام أم…
نامت كل ليلة…
وهي فاكرة إن ابنها مات؟
وسارة…
كانت قاعدة قصادي.
باصّة لسرير الرضيعة الجديدة.
وقالت بصوت مكسور:
— يمكن أمها دلوقتي…
بتدور عليها.
زي ما أنا بدور على يوسف.
—
وفجأة…
رن هاتف الضابط مرة تانية.
رقم مجهول.
رد بسرعة.
المرة دي…
الصوت كان أوضح.
قال:
— واضح إنكم عرفتوا اسم حازم.
الضابط قال:
— فين يوسف؟
ضحك الرجل.
وقال:
— لسه بتسألوا السؤال الغلط.
الضابط اتعصب.
— يعني إيه؟
قال:
— اسألوا…
مين حازم فعلًا.
وقفل الخط.
ساد الصمت.
الضابط بص على فريق التحريات.
وقال:
— هاتولي كل حاجة عن حازم السيوفي.
بعد دقائق…
دخل أحد الضباط يحمل ملفًا مستعجلًا.
فتحه أمام الجميع.
وقرأ أول سطر.
ثم رفع رأسه ببطء.
وقال:
— يا فندم…
في مشكلة كبيرة.
الضابط سأله:
— إيه؟
رد الضابط:
— حازم السيوفي…
متوفى رسميًا…
من تلات سنين.
لكن…
فيه تحويلات بنكية باسمه…
اتعملت الأسبوع اللي فات.
يتيع