رحت اعمل سونار حكايات اسما2
الفصل السادس: الوصية التي قلبت كل شيء
وقف أحمد مكانه وكأنه رأى شبحًا.
حدق في بطاقة المحامي، ثم قال بصوت متوتر:
— أكيد في غلط… عمي محمود مات من شهرين، وأنا خلصت كل الإجراءات.
رد المحامي بهدوء:
— لا يا أستاذ أحمد… أنت خلصت إجراءات الدفن فقط.
أما الوصية…
فكانت محفوظة عندنا، وبناءً على تعليمات المرحوم، لا تُفتح إلا بعد حضور جميع الأشخاص المذكورين فيها.
نظر إليّ.
ثم قال:
— ومدام مريم… حضرتك واحدة من الأشخاص المطلوب حضورهم.
تجمدت في مكاني.
أنا؟
ما علاقتي بعمه؟
أحمد تدخل بسرعة:
— مفيش داعي للكلام ده دلوقتي.
لكن المحامي أخرج ظرفًا مختومًا.
وقال:
— فيه تعليمات واضحة… لو رفض أي طرف الحضور، يتم فتح الوصية أمام المحكمة.
ازدادت عصبية أحمد.
ولأول مرة رأيته يصرخ في وجه أحد.
— امشوا دلوقتي!
لكن المحامي لم يتحرك.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
— واضح إن حضرتك خايف من اللي مكتوب.
ساد صمت ثقيل.
ثم استدار المحامي ناحيتي.
— الموعد بكرة الساعة عشرة صباحًا.
لو حضرتِ… هتعرفي حاجات كتير كانت مخفية عنك.
وغادر.
الفصل السابع: الليلة الأطول
لم أنم.
كلما أغمضت عيني رأيت أحمد في المستشفى وهو يصرخ:
“وسعوا… مراتي بتولد!”
الجملة كانت تتكرر داخل رأسي بلا توقف.
في الثالثة فجرًا…
رن هاتفي.
كان رقم هبة.
رددت بسرعة.
سمعت بكاء طفل صغير.
ثم صوتها المتعب.
— ولدت ولد.
باركت لها.
ثم سكتنا.
قالت بعد لحظات:
— أحمد مجاش يشوف ابنه.
أغلقت عيني.
حتى هي…
بدأت تكتشف حقيقته.
قالت وهي تبكي:
— أنا فاكرة إنه بيحبني.
قلت لها بهدوء:
— وأنا كنت فاكرة نفس الحاجة.
وبكينا نحن الاثنتين…
كل واحدة على حلم مات في نفس اليوم.
الفصل الثامن: الحقيقة داخل الظرف
في اليوم التالي…
دخلت مكتب المحامي.
كان أحمد موجودًا.
وبجواره والدته.
وبعد دقائق…
دخل رجل مسن أعرفه.
كان صديق عمه محمود.
جلس الجميع.
فتح المحامي الظرف.
وأخرج عدة أوراق.
ثم قال:
— المرحوم كتب رسالة بخط إيده.
وبدأ يقرأ.
“لو الرسالة دي بتتقرأ… يبقى أنا خلاص في ذمة الله.”
“وأعرف إن أحمد غالبًا هيحاول يخفي الحقيقة.”
ارتجف أحمد.
أما أنا…
فلم أرمش.
أكمل المحامي القراءة.
“يا مريم… لو وصلتك الرسالة دي، فأنا آسف.”
“أنا حاولت أكتر من مرة أقولك الحقيقة، لكن أحمد كان يمنعني.”
نظرت إلى أحمد.
كان ينظر إلى الأرض.
ثم جاءت الجملة التي غيرت كل شيء.
“البيت اللي عايشين فيه… مش ملك أحمد.”
رفعت رأسي بسرعة.
المحامي أكمل.
“البيت اشتريته أنا… وسجلته باسم حفيدي اللي لسه ما اتولدش.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
حفيده؟
يعني…
طفلي.
واصل القراءة.
“ولو أحمد خان الأمانة أو ظلم زوجته… تُنقل كل إدارة البيت والأموال المخصصة له إلى الأم حتى يبلغ الطفل سن الرشد.”
صرخت والدة أحمد:
— مستحيل!
لكن المحامي رفع الورقة الأصلية.
وعليها توقيع موثق.
ثم أخرج ملفًا آخر.
وقال:
— ودي مستندات الملكية.
نظر إليّ.
— من اللحظة دي… البيت تحت إدارتك القانونية بصفتك الوصية على الطفل.
أما أحمد…
فلم يعد يملك حق التصرف فيه.
سقط أحمد على الكرسي.
كان يحاول الكلام.
لكن الكلمات لم تخرج.
أما أنا…
فلم أشعر بالانتصار.
شعرت فقط…
أن الله لا يترك حقًا يضيع مهما طال الزمن.
يتبع…
الفصل التاسع: سقوط الأقنعة
ظل أحمد صامتًا عدة دقائق.
ثم ضرب الطاولة بيده وهو يصرخ:
— الوصية دي متلفقة!
رد المحامي بهدوء:
— لو عندك دليل، المحكمة موجودة.
أما الصراخ، فلن يغير المستندات.
وقفت والدة أحمد وقالت بعصبية:
— ابني أولى بكل حاجة من أي حد.
ابتسم المحامي ابتسامة خفيفة.
— للأسف… المرحوم كان متوقع الاعتراض ده.
وأخرج ظرفًا ثانيًا.
فتح الظرف، وأخرج فلاشة صغيرة.
قال:
— دي فيها تسجيل فيديو للمرحوم الحاج محمود قبل وفاته بأسبوع.
شغل الفيديو.
ظهر الرجل العجوز على الشاشة، يجلس في مكتبه، ووجهه يبدو متعبًا بسبب المرض.
قال بصوت ضعيف:
“لو بتشوفوا الفيديو ده… يبقى أنا خلاص سبت الدنيا.”
“وأحب أقول الحقيقة بنفسي.”
التفتت الأنظار كلها إلى الشاشة.
قال الرجل:
“أحمد… أنا اعتبرتك زي ابني.”
“لكن أول يوم عرفت إنك بتعيش مع ستين في نفس الوقت، عرفت إنك ضيعت نفسك.”
شهقت أم أحمد.
أما هو…
فانحنى برأسه.
واصل الرجل:
“كنت فاكر إن مراتك مريم هتعرف، لكنك كنت كل مرة تمنعني أو تكذب عليها.”
ثم نظر مباشرة إلى الكاميرا.
“يا مريم… سامحيني إني اتأخرت.”
“أنا سجلت كل حاجة، لأن أحمد لو أنكر… يبقى الدليل موجود.”
ثم انتهى الفيديو.
ساد صمت ثقيل.
لم يعد لدى أحمد أي كلمة يقولها.
الفصل العاشر: اللقاء الأخير
بعد انتهاء الجلسة…
خرجت من المكتب.
سمعت أحمد يناديني.
— مريم… استني.
وقفت.
لكنني لم ألتفت إليه.
اقترب ببطء.
كان يبدو أكبر من عمره بعشر سنوات.
قال بصوت منخفض:
— أنا غلطت.
لم أرد.
قال:
— كنت هقولك.
ابتسمت بسخرية.
— إمتى؟
بعد الولادة؟
ولا بعد ما الطفلين يكبروا وينادوك بابا قدام بعض؟
خفض رأسه.
ثم قال:
— كنت بحبك.
التفت إليه لأول مرة.
ونظرت في عينيه طويلًا.
ثم قلت:
— الإنسان ممكن يحب…
لكن اللي بيحب بجد، عمره ما يبني سعادة فوق وجع حد تاني.
سكت.
أكملت:
— أنا مش زعلانة إنك خنتني.
أنا زعلانة إنك خليتني أشك في نفسي، وأنا كنت أوفى إنسانة في حياتك.
استدرت ومشيت.
ناداني مرة أخيرة.
— هسامحيني؟
وقفت ثانية.
لكن من غير ما أبص له.
قلت:
— المسامحة بيني وبين ربنا…
أما الرجوع…
فانتهى يوم ما صرخت قدام الناس:
“وسعوا… مراتي بتولد.”
ثم أكملت طريقي.
ولم ألتفت خلفي مرة أخرى.
الفصل الحادي عشر: بداية جديدة
مرت ثمانية أشهر.
في صباح هادئ…
كنت أحمل طفلي بين ذراعي.
أنظر إليه وهو نائم في سريره الصغير.
كان يشبهني في ملامحه.
لكن عينيه…
كانتا تشبهان جده محمود.
رن جرس الباب.
فتحت.
وجدت هبة تحمل طفلها.
ابتسمت.
ابتسمت لها أيضًا.
لم نعد زوجتين لرجل واحد.
صرنا امرأتين نجتا من نفس الخديعة.
دخلت وجلست.
قالت وهي تنظر إلى طفلينا:
— يمكن ربنا جمعنا بطريقة مؤلمة…
لكن يمكن علشان محدش فينا يفضل لوحده.
ابتسمت وأنا أضم ابني إلى صدري.
في تلك اللحظة…
شعرت لأول مرة منذ شهور…
أن النهاية التي ظننتها نهاية حياتي…
كانت في الحقيقة…
أول بداية لحياة تستحق أن تُعاش.
بعد مرور فترة، تكشف تطورًا مختلفًا.
الفصل الثاني عشر: بعد ثلاث سنوات
مرت ثلاث سنوات…
كبر “ياسين”، ابني، وأصبح يركض في أرجاء البيت الذي حاول أحمد يومًا أن يحرمني منه.
أما أنا…
فلم أعد المرأة التي انهارت في ممر المستشفى.
رجعت إلى عملي، وأكملت دراستي، وبنيت حياة مستقرة بعيدًا عن الكذب.
في صباح هادئ…
كنت أجهز ياسين للحضانة، عندما رن جرس الباب.
فتحت…
فتجمدت في مكاني.
كان أحمد.
لكن أحمد الذي أمامي لم يكن الرجل الذي عرفته.
وجهه شاحب، شعره امتلأ بالشيب، وعيناه تحملان تعب سنوات.
وفي يده طفل صغير لا يتجاوز الثالثة.
عرفته فورًا…
كان ابن هبة.
قال بصوت منخفض:
— ممكن نتكلم؟
لم أرد.
لكن الطفل الصغير اختبأ خلف ساقه، وهو ينظر إليّ بخوف.
تنهدت.
وتركت الباب مفتوحًا.
دخل أحمد ببطء.
جلس على طرف الأريكة، وكأنه غريب عن المكان.
نظر إلى صور ياسين المعلقة على الحائط، ثم قال:
— كبر.
قلت ببرود:
— الحمد لله.
ظل صامتًا لحظات.
ثم قال:
— هبة… توفيت من شهر.
رفعت رأسي فجأة.
لم أتوقع هذه الجملة.
أكمل بصوت مكسور:
— سرطان… اكتشفوه متأخر.
نظرت إلى الطفل الصغير.
كان يلعب بسيارة بلاستيكية في هدوء.
قال أحمد:
— ده يوسف.
أمه ماتت… وأنا بقيت لوحدي.
ساد صمت طويل.
ثم قال:
— جيت أطلب منك طلب واحد.
نظرت إليه دون أن أتكلم.
قال:
— سامحيني… مش علشاني.
علشان الولدين.
أنا مش عايزهم يكبروا وهم شايلين كراهية لبعض.
نظرت إلى ياسين وهو يخرج من غرفته ممسكًا بدبدوبه.
ثم نظر إلى يوسف.
الطفلان تبادلا النظرات.
بعد ثوانٍ…
اقترب ياسين من يوسف.
ومد له الدبدوب وهو يقول بابتسامة بريئة:
— عايز تلعب؟
ابتسم يوسف لأول مرة.
وأخذ الدبدوب.
وقفت أنظر إليهما.
وأدركت أن الأطفال لا يولدون وهم يحملون أخطاء الكبار.
الكبار هم من يزرعونها في قلوبهم.
التفت إلى أحمد.
وقلت بهدوء:
— أنا سامحتك من زمان… علشان أرتاح أنا.
لكن ده ما يغيرش إن كل واحد فينا هيمشي طريقه.
هز رأسه في صمت.
كانت هذه أول مرة أراه يقبل الحقيقة…
دون محاولة تبريرها.
خرج من البيت بعد دقائق، وهو يمسك بيد يوسف.
وقبل أن يغادر…
التفت إلى ياسين وقال:
— خلي بالك من مامتك… هي أقوى واحدة عرفتها في حياتي.
ثم أغلق الباب خلفه.
وقفت عند النافذة أراقبه يبتعد.
لم أشعر بالانتصار.
ولا بالحزن.
شعرت فقط…
أن بعض الجراح لا تُنسى، لكنها تتوقف عن النزيف عندما يختار الإنسان أن يبدأ من جديد.
تمت.